عام

العراق.. دوافع السوداني في حماية “الحشد”

في توقيت بالغ الحساسية إقليميا ودوليا، جاءت تصريحات رئيس حكومة تصريف الأعمال العراقية محمد شياع السوداني، الخميس 19 مارس الجاري، بشأن عدم التهاون مع أي استهداف يطال الحشد الشعبي، أو بقية تشكيلات القوات المسلحة، لتفتح بابا واسعا للتساؤلات: حول دوافعها السياسية والأمنية، وحول ما إذا كانت تعكس موقفا دفاعيا داخليا أم رسالة إقليمية موجّهة في خضم التوتر المتصاعد في الخليج. كما تثير هذه التصريحات مخاوف من انزلاق العراق إلى مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة؛ هذا، فضلا عن التساؤل الأكثر حساسيةً: هل يمكن أن ينخرط الحشد الشعبي فعليا في الحرب إلى جانب إيران، كما فعل حزب الله في لبنان؟

أولا: الدوافع السياسية

من الواضح أن تصريحات السوداني لم تأتِ في فراغ سياسي، ولكن في سياق داخلي معقد يتداخل فيه العامل الأمني مع التوازنات الحزبية والطائفية. فالسوداني جاء إلى السلطة بدعم من القوى السياسية المرتبطة بما يُعرف بـ”الإطار التنسيقي”، وهي القوى الأقرب إلى إيران سياسيا وعقائديا، والتي تعتبر الحشد الشعبي أحد أعمدة نفوذها داخل الدولة العراقية. لذلك، فإن أي موقف يتخذّه رئيس الوزراء تجاه الحشد لا يُقرأ فقط بوصفه قرارا أمنيا، ولكن باعتباره جزءا من توازن سياسي دقيق يحاول الحفاظ عليه.

السوداني يدرك أن شرعيته السياسية داخل البرلمان تعتمد بدرجة كبيرة على هذه القوى؛ وبالتالي، فإن أي تراجع في دعمه للحشد الشعبي قد يُفسَّر باعتباره تراجعا عن التفاهمات السياسية التي أوصلته إلى السلطة. ومن هنا يمكن فهم تصريحه على أنه محاولة لطمأنة الحلفاء في الداخل، أكثر منه مجرد رد على تهديد خارجي. كما أن السوداني يواجه تحديا سياسيا داخليا آخر، يتمثل في المنافسة بين القوى الشيعية نفسها. فبعض الفصائل المسلحة ترى أن الحكومة قد تتجه إلى تقليص نفوذها تدريجيا، تحت ضغط أمريكي أو إقليمي؛ ولذلك فإن تأكيد السوداني على حماية الحشد يُعد رسالة سياسية تهدف إلى منع أي تصعيد داخلي.

ثانيا: الدوافع الأمنية

على المستوى الأمني، يدرك السوداني أن الحشد الشعبي أصبح جزءا من المعادلة الأمنية في العراق، سواء اتفق معه البعض أو اختلف. فالحشد لا يقتصر دوره على كونه تشكيلا عسكريا فحسب، وإنما يمتلك شبكة نفوذ اجتماعي وسياسي واقتصادي واسعة، ويضم عشرات الآلاف من المقاتلين، الذين لا يمكن تجاهل وجودهم أو التعامل معهم ككيان يمكن تفكيكه بسهولة.

أي استهداف مباشر للحشد الشعبي، سواء عبر ضربات خارجية أو ضغوط سياسية، قد يؤدي إلى ردود فعل يصعب السيطرة عليها. فالتاريخ القريب في العراق يُظهر أن التوتر بين الفصائل المسلحة والقوات الأجنبية كان دائما عاملا رئيسا في زعزعة الاستقرار. لذلك يمكن قراءة تصريحات السوداني باعتبارها محاولة استباقية لاحتواء أي تصعيد محتمل، من خلال تأكيد أن الحكومة هي التي تحمي هذه التشكيلات، وليس العكس. لذلك، فإن الدفاع عن الحشد في هذا التوقيت ليس بالضرورة موقفا أيديولوجيا؛ بل قد يكون إجراءً وقائيا لمنع انفلات الوضع الداخلي.

ثالثا: الموقع السياسي

موقع السوداني السياسي الحالي يلعب دورا مُهمًّا في تفسير هذه التصريحات؛ فكونه يقود حكومة تصريف أعمال، أو حكومة ذات شرعية سياسية ضعيفة نسبيا، يجعله أكثر حساسيةً تجاه الضغوط الداخلية. في مثل هذا الوضع، لا يمتلك رئيس الوزراء القدرة الكاملة على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى قد تثير انقساما سياسيا حادا، خصوصا في ملف حساس مثل الحشد الشعبي.

الحكومات الضعيفة تميل عادة إلى تجنب الصدام مع القوى المؤثرة داخل الدولة، حتى لو كانت هذه القوى خارج إطار المؤسسات الرسمية بشكل كامل. ولذلك فإن دفاع السوداني عن الحشد يمكن اعتباره محاولة لتثبيت موقعه السياسي، وعدم الدخول في مواجهة قد تؤدي إلى سقوط حكومته أو زيادة الضغط عليه داخليًا. فالهجوم على الحشد في هذا التوقيت قد يُفسَّر من قبل خصومه على أنه خضوع للضغوط الأمريكية، وهو اتهام قد يكون كافيا لإضعافه سياسيا.

رابعا: تساؤلات واقعية

في هذا السياق، فإن التساؤلات التي تطرح نفسها، تتمثل في: هل تقود هذه التصريحات إلى تصادم عراقي أمريكي؟ ثم هل يمكن أن ينخرط الحشد الشعبي في الحرب إلى جانب إيران؟

على الجانب الأول، أي احتمال التصادم بين العراق والولايات المتحدة فهو احتمال قائم، لكنه ليس حتميا. فالعلاقة بين البلدين لا تقوم فقط على الملف الأمني، ولكنها تشمل ملفات اقتصادية ومالية وسياسية معقدة. الولايات المتحدة تمتلك نفوذا كبيرا داخل المؤسسات المالية العراقية، كما أن العراق يعتمد بدرجة كبيرة على النظام المالي الدولي الذي تتحكم فيه واشنطن. لذلك فإن أي تصادم مباشر قد تكون كلفته باهظة على بغداد.

لكن المشكلة تكمن في أن التصعيد لا يحدث دائما عبر قرارات رسمية، بل يبدأ من خلال تحركات الفصائل المسلحة. فإذا تعرض الحشد الشعبي لضربات، فمن المرجح أن ترد بعض الفصائل بشكل مباشر على القوات الأمريكية أو المصالح الأمريكية في العراق، وهو ما يدفع واشنطن إلى الرد بدورها. في هذه الحالة، يجد السوداني نفسه أمام واقع لا يستطيع السيطرة عليه بالكامل. بمعنى آخر، الخطر الحقيقي لا يكمن في أن الحكومة العراقية تريد مواجهة الولايات المتحدة، بل في أن العراق قد يُجرّ إلى هذه المواجهة نتيجة تداخل الصراع الإقليمي مع الوضع الداخلي.

أما على الجانب الآخر، أي هل يمكن أن ينخرط الحشد الشعبي في الحرب إلى جانب إيران؟.. فهذا هو السؤال الأكثر حساسية في المرحلة الحالية. من الناحية النظرية، بعض الفصائل المنضوية في الحشد الشعبي تمتلك علاقات وثيقة بإيران، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، كما أن بعضها أعلن في مناسبات سابقة استعداده للوقوف إلى جانب إيران في حال تعرضت لهجوم مباشر؛ لكن الانتقال من التصريحات إلى الفعل ليس أمرا بسيطا.

الحشد الشعبي يختلف عن حزب الله في لبنان من حيث البنية والدور. حزب الله يمتلك قيادة مركزية واضحة وقرارا سياسيا مُوحَّدا، بينما الحشد يضم عشرات الفصائل المختلفة، ولكل منها حساباتها الخاصة. كما أن الحشد يعمل رسميا تحت مظلة الدولة العراقية، وهو ما يفرض عليه قيودا لا يواجهها حزب الله بنفس الدرجة.

خامسا: سيناريوهات محتملة

المشهد العراقي مرشح لثلاثة سيناريوهات رئيسية.. السيناريو الأول، هو بقاء التوتر في إطار التصريحات السياسية دون تصعيد ميداني، وهو السيناريو الذي تفضله الحكومة العراقية لأنه يجنّبها الدخول في صراع لا تملك أدوات التحكم فيه. في هذا السيناريو سيواصل السوداني التأكيد على حماية الحشد؛ لكنه سيحاول، في الوقت نفسه، منع أي تصعيد ضد القوات الأمريكية.

السيناريو الثاني، يتمثل في حدوث ضربات محدودة تستهدف فصائل مرتبطة بإيران داخل العراق، وهو ما قد يؤدي إلى ردود فعل موضعية، لكنها لن تصل إلى مستوى مواجهة شاملة. في هذه الحالة سيجد السوداني نفسه في موقف شديد الصعوبة؛ إذ سيضطر إلى التوفيق بين حماية الحشد والحفاظ على العلاقات مع واشنطن.

أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في توسع الحرب بشكل إقليمي شامل. في هذه الحالة لن يكون بمقدور العراق البقاء على الحياد، لأن الصراع سينتقل تلقائيا إلى أراضيه. عندها قد تنخرط بعض فصائل الحشد في القتال بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما سوف يدفع الولايات المتحدة إلى الرد داخل العراق، مما يعني دخول البلاد في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن تصريحات محمد شياع السوداني ليست مجرد موقف سياسي عابر، ولكنها تعكس حجم الضغوط التي يواجهها العراق في هذه المرحلة الحساسة. فهو يحاول الموازنة بين حماية التوازن الداخلي، والحفاظ على علاقات العراق الخارجية، وتجنّب الانجرار إلى حرب إقليمية قد تكون عواقبها خطيرة على الدولة العراقية.

لكن السؤال الحقيقي، ليس ما الذي يريده السوداني؛ بل ما الذي يمكن للعراق أن يتجنبه في ظل صراع إقليمي يتجاوز قدرته على التحكم فيه؟!

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى