نقلا عن موقع middle east monitor
بينما انشغل العالم بالحرب الأمريكية الجديدة، المُصممَّة لصالح إسرائيل، ضد إيران، تتشكل حركة مقاومة هادئة في مياه البحر الأبيض المتوسط الزرقاء العميقة. حركة تحدٍّ عازمة على تذكير المجتمع الدولي بأنه لا توقف للإبادة الجماعية في غزة، ولن يكون هناك توقف لمن يناضلون لإنهاء هذه الإبادة.
أسطول الصمود العالمي ينطلق الآن في مهمته الربيعية لعام 2026. يبحر نشطاء دوليون على متن ما يقارب 100 قارب، بدعم فني وتشغيلي من منظمة غرين بيس (شروق القطب الشمالي)، إلى غزة تحت شعار: نبحر حتى تتحرر فلسطين.
الهدف واضح، ورغم كل الصعاب، وهو إنشاء ممر بحري مباشر إلى شواطئ غزة، لتحقيق ما حرم منه الحصار الإسرائيلي طويلا، أكثر من 2.2 مليون إنسان.
يحمل الألف بحار من جنسيات مختلفة ما يصعب قياسه: الثقل الأخلاقي المتراكم لعالم سئم من رؤية الحكومات تتظاهر بالاهتمام دون أن تحرك ساكنا.
قبل الحديث عن وجهة أسطول الصمود، لا بدّ للعالم أن يُدرك ما اختار تطبيعه: الاحتلال الإسرائيلي لـ 53% من مساحة قطاع غزة. ويتحكم حصاره الخانق بكل سعرة حرارية تدخل القطاع، بدقة متناهية وتخطيط مُحكم، لدرجة أن المنظمات الإنسانية وثّقت كمية يومية رسمية يتناولها أطفال غزة، وهي كمية لا تُحسب للحفاظ على الحياة، بل لتنظيم تدهورها البطيء. وقف إطلاق نار مزعوم لم يتوقف قط عن استخدام الغذاء؛ سلاحا في حرب تجويع.
منذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تغيرت عناوين الأخبار، لكن إسرائيل استمرت في القتل. بعد ستة أشهر، أفاد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، بمقتل ما لا يقل عن 738 فلسطينيا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مع استمرار الغارات الجوية وإطلاق النار والقصف يوميا على طول القطاع. وقال: “لا يملك الفلسطينيون أي خطة للبقاء… مهما فعلوا أو لم يفعلوا، وأينما ذهبوا أو لم يذهبوا، لا يوجد أمان أو حماية لهم. من الصعب التوفيق بين هذا وبين وقف إطلاق النار”.
لا يمكن التوفيق بينهما، لأنه وقف إطلاق نار من جانب واحد. فبعد مرور أكثر من ستة أشهر، لا تزال إسرائيل تحاصر 2.2 مليون فلسطيني في 47% من أراضيهم، سجن مفتوح يتقلص يوما بعد يوم، جدرانه ليست مبنية من الخرسانة، بل بصمت المجتمع الدولي المتعمد.
أما المنازل، أو ما تبقى منها وقت وقف إطلاق النار، فقد سُوّيت بالأرض بشكل ممنهج. أكثر من مليون إنسان ممنوعون من العودة، ولا حتى من نصب خيمة فوق أنقاض ما كان يوما منازلهم. يفصلهم عن منازلهم ومزارعهم ما يُسمى بالخط الأصفر. في الواقع، هو خط دموي، لا تحدده علامات، بل جثث الفلسطينيين القتلى. فخ موت متحرك يلاحق سكان غزة إلى شوارعهم وأحيائهم وخيامهم. أب يصطحب طفله إلى ما تبقى من مدرسة. امرأة تحمل الماء إلى خيمتها. رجل يقف في العراء لأن منزله لم يعد له جدران. أي منهم، في أي لحظة، قد يقع ضمن نطاق “خط الدم” هذا، ويُقتل رميا بالرصاص.
لإخفاء الحقيقة، تقتل إسرائيل الشهود الذين يحاولون توثيق الجريمة. في 8 أبريل، اغتال الجيش الإسرائيلي صحفيا آخر، هو محمد وشاح، الصحفي الفلسطيني رقم 294 الذي استهدفته إسرائيل في غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ووفقا لجامعة براون، كلية واتسون، فإنه حتى أبريل/ نيسان 2025، قتلت إسرائيل في غزة عددا من الصحفيين يفوق عدد من قتلتوا في الحرب الأهلية الأمريكية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام (بما في ذلك الصراعات في كمبوديا ولاوس)، وحروب يوغوسلافيا في التسعينيات والألفية الجديدة، وحرب أفغانستان التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، مجتمعة.
وقد صدّرت إسرائيل التكتيك نفسه إلى لبنان، حيث أدى استهداف الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام إلى رفع عدد الصحفيين اللبنانيين الذين قُتلوا إلى أكثر من عشرين. إنها استراتيجية إسرائيلية إقليمية لإسكات الشهود، وليست مجرد نمط معزول من الأضرار الجانبية. إن عدد الصحفيين الذين قُتلوا في فلسطين ولبنان ليس مجرد إحصائية؛ بل هو منهجية إسرائيلية. حيث أصبحت الخوذة الزرقاء وسترة الصحافة من أولويات الجيش الإسرائيلي، ليس لأن الصحفيين يحملون أسلحة، بل لأن إسرائيل تخشى الكاميرا أكثر مما تخشى السلاح.
لهذا السبب تبقى غزة معزولة عن الصحافة الدولية المتواطئة. تعتيم إعلامي مُصمم لإخفاء ما تفعله آلة القتل على الأرض. عندما تعجز عن منع الحقيقة من الظهور، تقتل السكان المحليين الذين يكشفونها. عندما تعجز عن منع العالم من رؤيتها في نهاية المطاف، تضمن أن يرى العالم أقل ما يمكن، وفي وقت متأخر قدر الإمكان، وأن تُمرر المعلومات عبر منافذ الدعاية الإسرائيلية.
الكاميرا عدو لأنها لا تكذب، ولا تقبل التقارير العسكرية بوصفها حقائق، ولا تغض الطرف عن طفل يُنتشل من تحت الأنقاض في غزة، أو عن قطة تصرخ وهي تنقذ صغيرها من تحت ركام الخرسانة في لبنان.
الدليل هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن تدميره بالقصف أو إخضاعه بالتجويع، لذا فهو يقتل حاملي الحقيقة.
أسطول الصمود العالمي يُدرك هذا. من بين المشاركين فيه صحفيون، ومخرجون وثائقيون، ومراقبون لحقوق الإنسان. أصحاب ضمائر حية اختاروا أن يضعوا أجسادهم بين غزة ونسيان العالم. سبق لإسرائيل أن اعترضت محاولات في المياه الدولية مرات عديدة، وشوشت على إشاراتها، واستولت على سفنها، وأذلت النشطاء، واعتقلتهم. ستعاود المحاولة بالتأكيد. لكن حسابات الرأي العام العالمي قد تغيرت. كل عملية اعتراض دليل جديد، وكل فرد من أفراد الطاقم يُؤخذ في ظلمة ليلة البحر الأبيض المتوسط شاهدٌ سيروي قصة.
تمتلك إسرائيل أحدث المعدات العسكرية التي يمكن لدافعي الضرائب الأمريكيين شراؤها. طائراتها المسيّرة تتعقب الصحفيين بأسمائهم، ولديها درع دبلوماسي مدعوم بحق النقض الذي تتمتع به واشنطن. ما لا تملكه، ولا تستطيع صنعه، هو القدرة على إجهاض فكرة حان وقتها. يبحر الأسطول، مرة أخرى، لأن سكان غزة لم يستسلموا. يبحر لأن الخوذة الزرقاء وسترة الصحافة، رغم تلطخها بدماء ما يقارب 300 صحفي، لا تزال تحمل معنىً عميقا لمن يرتدونها. لقد أتى ناشطون، يمثلون أسمى معاني الإنسانية، من جميع قارات العالم السبع لأن التاريخ يُكتب تحت النجوم وعبر مياه غزة الزرقاء. إنهم يقفون شامخين في عالم اختار أن يصرف نظره.
ومع ذلك، ورغم كل قوتها النارية، لم تجد إسرائيل سلاحا قادرا على إخماد عزيمة الناس على الوقوف في وجه الظلم. ستتحرر غزة. السؤال الوحيد هو: كم من الأساطيل يجب أن تبحر، وكم من الشهود يجب أن يُقتلوا قبل أن يستيقظ ضمير العالم؟
رابط المقال:
The Global Sumud Flotilla to Gaza — A cry at sea to the world’s dormant conscience








