رؤى

ما بعد الطوفان.. حديث الانهيار المرتقب!

في مقالة خطها بقلمه في شهر أغسطس من عام 2025، وبينما كان القتال لا يزال على أشده بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال الصهيوني على أرض قطاع غزة- حذّر الجنرال احتياط في جيش الاحتلال اسحاق بريك مما أسماه “انهيار جيش البر”.

وأرجع الجنرال الصهيوني أسباب هذا الانهيار المتوقع للقوات البرية في جيش الاحتلال إلى “تآكل شامل في التدريب، الانضباط، والمهنية” خاصة مع قتال الجيش على أكثر من جبهة مختلفة، وعدم قدرته على حسم المعركة على أية جبهة؛ بعد أن تقلص حجمه إلى الثلث تقريبا خلال عشرين عاما.

ما حذر منه الجنرال بريك لم يعد مجرد قناعة شخصية٫ بل أصبح واقعا يتناوله الإعلام العبري بشكل يومي تقريبا.

حيث أوضحت صحيفة يديعوت أحرونوت خلال شهر مايو2026، أن “الجيش يمر الآن بمراحل انهيار من حيث القوة البشرية”.

وكشفت الصحيفة العبرية عن أن جيش الاحتلال “يعاني من نقص يقارب 7 آلاف مقاتل، وعدد مشابه من عناصر الدعم القتالي والإدارة”.

واعتبرت الصحيفة أن أحد أبرز إخفاقات الحكومة الصهيونية الحالية، هو اعتمادها -إلى حد كبير- على قوات الاحتياط؛ حيث أن “العبء ثقيل، وهذا يخلق وضعا ينتقل فيه الجنود، سواء في الخدمة النظامية أو الاحتياط، من مهمة إلى أخرى من دون أن يتدربوا أبدا”.

لم تكن “يديعوت أحرونوت” التي أطلقت نداء التحذير مما آل إليه وضع جيش الاحتلال؛ حيث نشرت صحيفة “يسرائيل هيوم” في الشهر ذاته (مايو2026) تقريرا عن نفاذ ميزانية الجيش قبل نهاية عام2026.

وأوضحت الصحيفة أن “معنى هذا أن عشرات الدبابات لن تُصلح، وسيحدث تضرر في التدريبات والقدرات العملياتية وبناء المواقع، واقتراب توقف خطوط الإنتاج في الصناعات الأمنية، وغير ذلك”.

ونقلت الصحيفة عن قادة في جيش الاحتلال قولهم “إما تقليص المهام العملياتية، وتقليص حجم القوات في لبنان، وغزة، والضفة الغربية، وفي ساحات أخرى أو زيادة الميزانية إلى 177 مليار شيكل، بما يتناسب مع المهام”.

ورجَّحت الصحيفة أن الزيادة المطلوبة لن تتحقق بسبب الخلاف الحاد داخل الحكومة الحالية في هذا الشأن.

ومما يفاقم حدة الوضع داخل الجيش، هو ما وصفته إذاعة جيش الاحتلال بـ”حالة استنزاف مرتفعة جدا” خاصة مع استمرار القتال في جنوب لبنان.

وأقرت الإذاعة بوجود “نقص يقارب 8,000 مقاتل مقارنة باحتياجات الجيش، وإذا لم يُسنّ قانون تمديد الخدمة الإلزامية إلى ثلاث سنوات، فإن هذا النقص سوف يتفاقم بشكل دراماتيكي خلال الأشهر القريبة، وسيصل العجز إلى نحو 10,500 مقاتل مقارنة بالحاجة الفعلية٫ وهذا يعادل تقريبا حجم فرقة قتالية كاملة يفتقدها الجيش”.

وأكد تقرير الإذاعة المذكورة أعلاه أن الجيش يواجه “أزمة قوى بشرية خطيرة” وأن “منظومة الاحتياط قد تنهار” وحتى لو أقرَّ قانون الإعفاء من التجنيد الذي تدفع به الحكومة، فلن يوفّر استجابة كاملة لاحتياجات الجيش على المدى القريب.

الأزمة البشرية التي أشار إليها التقرير، تتفاقم بشكل يومي مع ما أسماه المحلل في صحيفة “معاريف”٬ آفي أشكنازي بحرب استنزاف طويلة انخرطت فيها دولة الاحتلال في جنوب لبنان، والتي وصفها بـ”فخ” وقعت فيه الحكومة الصهيونية، وأن هدف المقاومة اللبنانية فيها هو “تقويض وتعطيل منظومة الأمن الإسرائيلية على الحدود الشمالية”.

هذا الاستنزاف الطويل تبدَّى في أرقام أعلن عنها جيش الاحتلال حول خسائره في الجنوب اللبناني، حيث توضح الأرقام أن الإصابات في صفوف الجيش منذ بدء “المناورة” في جنوب لبنان وصل إلى 1015 إصابة بينهم 52 بحالة خطيرة و122 بحالة متوسطة من بينهم 105 جندي أصيبوا في معارك جنوبي لبنان خلال أسبوع واحد من شهر مايو2026.

كما أقرَّ مدير قسم جراحة الأعصاب في مستشفى رمبام الصهيوني بأن هناك اليوم عدد أكبر بكثير من الجنود الذين يُنقلون إلى المستشفى بسبب إصابات الطائرات المسيرة التي تستخدمها المقاومة اللبنانية ضد قوات الاحتلال وغالبا ما تكون الإصابات في الأطراف غير المحمية.

وإلى جانب الإصابات الجسدية، أوضحت صحيفة “هآرتس” العبرية أن 80% من الجنود يتركون الخدمة في الجيش بسبب مشاكل تتعلق بالصحة النفسية.

إن الجيش الذي وصف نفسه ذات يوم بأنه “لا يقهر” وتباهى قادته بقدرتهم على اجتياح أي بلد عربي يريدون.. يواجه اليوم أكبر أزمة في تاريخه.

وهي ليست أزمة سلاح ولا عتاد؛ وإنما أزمة أعمق بكثير؛ لأنها تتعلق بالإنسان الذي يحمل السلاح، وهذه الأزمة في حد ذاتها هي ثمرة من ثمرات معركة “طوفان الأقصى” التي لا يزال بعض “العرب” يصرون على وصفها بالمغامرة والمقامرة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى