فن

محمود المليجي.. والصمت الذي لم يعد محتملا

هل يمكن أن تكون المحبة الشديدة والانبهار غير المحدود بأداء استثنائي مفارق لفنان كبير- مبررا لالتزام الصمت حيال موهبته وتجربته الفنية الفريدة؟ هل يأتي السابع من يونيو كل عام لنقدم له أسبابنا الواهية لعدم قدرتنا على مقارفة الكتابة عن المليجي في ذكرى رحيله؟ هل يصلح النسيان أو التناسي غلافا لمشاعر صادقة وشغف حقيقي بفن إنسان شكّل وجداننا وساهم بقدر كبير في صياغة رؤيتنا للحياة منذ وعينا -أوائل السبعينيات- على دوره العظيم (محمد أبو سويلم) في فيلم “الأرض” ليوسف شاهين؟

المليجي الذي يصعب تفسير موهبته في إطار التعريفات الأكاديمية؛ فيصبح الكلام عنها مجرد اجتهادات شخصية لا ترقى لعمق ومدى تأثير تلك الهالة الطاغية التي تتجلى من خلاله عبر الشاشة؛ حين يخلع الممثل شخصيته بالكلية ويخرج منها تماما ويصدّق أنه في رحلة برزخية تتضح تفاصيلها على نحو مبهر؛ فتتشبع بها الروح فيما يشبه الخدر، فتكون إرادة الفنان -في تلك اللحظة- استجابة عفوية جدا ومجردة من الافتعال.. ربما قال المليجي عن التمثيل شيئا يشبه ذلك، ربما قال أن اليوم الذي يمر عليه دون أن يُمثّل يكون بمثابة انقطاع عن الحياة.. وتوقُّف عن التعاطي مع أسباب التمسك بها.

أرى موهبة محمود المليجي أرقى بكثير من حديث المتخصصين عن التقمص والتشخيص والتجسيد.. أراها حالة من القدرة على الخروج التام من قيود النفس، لتخلو من تفاصيلها مرآة الروح وتصفو للدرجة التي يصبح من السهل جدا حينها أن تنطبع الشخصية المؤدَّاة بكل تفاصيلها -دون مناوءة- على تلك المرآة ؛ فيخرج الأداء صادقا دون تكلّف. تلك البساطة الطاغية التي كانت تهيمن على المشهد الفني؛ فتحاول الكاميرا تجنُّب ذلك الطغيان الذي يتجاوز الحدود “الأخلاقية” والرقابية للعمل.. كما في المشهد الأخير في “غروب وشروق” حين يودّع الباشا ابنته وهو في طريقه إلى السجن.. تتحاشى الكاميرا نظرة عين المليجي التي ستهدم جدار الكراهية والازدراء الذي بناه كمال الشيخ تجاه شخصية الباشا (رمز الحقبة الملكية) طوال أحداث الفيلم.

يتعجب المخرج يوسف شاهين من قدرة المليجي، على إعادة المشاهد بنفس درجة الإتقان لست أو لسبع مرات، كما في المشهد الخالد في “الأرض” عند الضريح عندما يشترى محمد أفندي محصول القطن من محمد أبو سويلم، مقدما.. فتنزل دمعة من العين اليمنى، بينما تحجرت دمعة أخرى في العين اليسرى المواجهة للضوء.. دمعة تعبر عن الامتنان والأمل الذي يخبو، وأخرى متحجرة تمثل اليقين بالهزيمة.

ومشهد آخر في نفس الفيلم، حين تختلط دموع الانكسار مع دموع الضحك وقد جلس الجميع في الغيط محاولين التخفيف عن الرجل (أبو سويلم) بعد إذلاله بحلق شاربه على يد السلطة.

وفي مشهد الوداع لإبراهيم وحبيبته في “عودة الابن الضال” بعد وقوع المذبحة.. يجمع وجه المليجي مشاعر متناقضة يغالب فيها الأمل؛ الأسى والخزن على النهاية المأساوية للأبناء الظالم والمظلوم.

مشهد وداع آخر في “إسكندرية ليه؟” حين يقول ليحيى (ابنه) وهو يشرع في ركوب السفينة متجها إلى أمريكا لدراسة الإخراج “هـ أشاور لك بالمنديل كده.. عشان تشوفني”. وفي العصفور حين تأتي كلمات خطاب التنحي، وكأنها وخزات مؤلمة توقظ “السكران” من غفوته التي طالت.. كما لم تفعل الهزيمة ذاتها.

يقول شاهين: “المليجي كممثل أعطاني أكثر مما كنت أحلم. أداؤه مبهر، يقدم ببساطة ومن دون انفعال، ومن أول لقطة، بمجرد رصد الكاميرا لملامحه، تتجلى موهبته إلى ما لا نهاية. المليجي هو الممثل الذي أحبه وأحب العمل معه، وهو ممثلي المفضل ويصعب تكرار موهبته، فهو أهم ممثل يخفي آلامه خلف أدائه ولا وجود المليجي في أفلامي، لما حصدت كل هذه الجوائز العالمية”.

ربما اقترب شاهين أكثر من غيره من فهم موهبة المليجي.. لكنه للأسف -في نظري- يبقى فهما قاصرا لا يرقى لسبر غور تلك الموهبة التي لا يختلف اثنان في المجال، أنها أهدرت ولم يستقد منها على النحو المطلوب؛ بل استنزفت في كثير من الأعمال الضعيفة التي اضطر المليجي إلى المشاركة فيها لأسباب لا تخفى على أحد.

ليس من الغريب أن المليجي لم يدرس فن التمثيل قط.. فالتمثيل بالنسبة له كان شيئا مختلفا لا يخضع لقواعد الأداء الأكاديمية الصارمة .. كان تمثيله حضورا فارقا واستثنائيا طاغيا وملهما وقادرا على ترك الأثر دون جهد كبير.. حالة من الخلاص تستعصي على التكرار وليس في ذلك أدنى مبالغة.. بل إن كل ما ذكرت لا يعدو كونه محاولة قراءة متواضعة لأداء فني يصعب تصنيفه ومن ثم تثمينه.. رحم الله المليجي وغفر له.

 

 

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى