“حزموا أمتعتهم في اتجاه واحد” بهذا العنوان عبَّرت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية عن استمرار ظاهرة الهجرة العكسية من دولة الاحتلال الصهيوني، بعد نحوٍ من ثلاث سنوات من انطلاقة معركة “طوفان الأقصى” في أكتوبر من عام 2023.
حيث كشفت الصحيفة عن دراسة جديدة أجراها متخصصون في جامعة تل أبيب- توصّلت لما اسمته الصحيفة “معطيات مقلقة”.
حيث أوضحت الدراسة المذكورة، أن موجة الهجرة إلى خارج فلسطين المحتلة، التي بدأت في 2023، وصلت إلى مستويات قياسية في عام 2025.
وأظهرت الدراسة أن نحوا من 268 ألف إسرائيلي، غادروا البلاد في السنوات الثلاث الأخيرة، وهو رقم دعا واضعي الدراسة للتحذير، مما اسموه “نقطة انهيار”.
ونقلت الصحيفة عن واضعي الدراسة قولهم: “رأينا زيادة كبيرة ومقلقة للأطباء والمهندسين والأكاديميين” وأضافوا “يتزايد القلق من أن الهجرة ستشكل تهديدا للاقتصاد والأمن”.
وأوضحت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” -تصدر بالإنجليزية- أن السبب الأساسي خلف تصاعد هذه الهجرة العكسية- هو الصراع العسكري المستمر، والنزاعات السياسية الداخلية المحتدمة.

كما نقل موقع “جلوبس” الاقتصادي عن البروفيسور إيتاي أتر، أحد المشرفين على الدراسة، قوله إن الدراسة تكشف عن “قصة كئيبة للغاية” على حد تعبيره.
وأعرب عن خوفه من أن قطاعات متزايدة من المهنيين في دولة الاحتلال مثل الأطباء والأكاديميين والعاملين في قطاع التكنولوجيا- لن يروا الدولة العبرية، وطنا لهم أو سيساورهم شك عميق في ذلك.
ورغم محاولته طمأنة الرأي العام، أن الأرقام المتضمنة في الدراسة لا تشكَّل خطرا كبيرا، إلا أنه أكد في الوقت ذاته من أن الهجرة إلى خارج دولة الاحتلال مرشحة للتزايد بشكل قد يُعرِّض كُلا من الاقتصاد والأمن للخطر مستقبلا.
وفي مقال لها على موقع مجلة “نيو لاينز” الأمريكية، أشارت الكاتبة الكندية ومحللة الشئون الأوروبية ليزا جولدمان، إلى أن دولة الاحتلال تعد اليوم الدولة الثامنة على مستوى العالم في عدد المتقدمين بطلبات للحصول على جوازات سفر وجنسيات أجنبية.
وأرجعت الكاتبة السبب في تزايد خروج الصهاينة، من الدولة العبرية إلى ما اعتبرته إخفاقا من الحكومة الصهيونية في حماية المستوطنين، بداية من هجمات السابع من أكتوبر 2023، والتي لازالت -وفقا للكاتبة- تُشكّل صدمة جماعية للصهاينة.
وأكدت جولدمان في مقالها أن القطاعات المتعلمة ذات المزاج “الليبرالي” في داخل دولة الاحتلال تشعر بشكل متزايد أن دولتهم باتت كيانا منبوذا على الصعيد الدولي.

ورغم أن غالبية هذه القطاعات يرفضون وصف المنظمات الدولية لما ارتكبته حكومتهم في غزة بالإبادة الجماعية، إلا أنهم يدركون تبعات “تهميش” الكيان الصهيوني من قِبَل المجتمع الدولي ويخشون على مستقبل أولادهم من تلك التبعات.
وأضافت الكاتبة أن الأرقام الواردة من داخل الكيان الصهيوني تعكس حقيقة فقدان الصهاينة حاليا لإيمانهم الذي استمر لسنوات طوال بفكرة مفادها أن حكومتهم قادرة على أن تحميهم من أي خطر أو تهديد.
ومن اللافت حقا، أن ما وصفه رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب في الكنيست “جلعاد كريف” في أكتوبر من عام 2025، بـ”تسونامي” المهاجرين الذين فاقت أعدادهم أعداد الوافدين بشكل غير مسبوق، لا يزال مستمرا رغم حلول هدنة على كلا الجبهتين اللبنانية والغزاوية.
والحق.. أن الصورة التي ترسمها الأرقام المذكورة، هي خير بيان على الفارق الشاسع، بين صاحب الأرض وبين مستعمرها.
بين من يواجه آلة القتل والدمار اليومية، فيزداد تمسكا بالأرض وتعلقا بالدار ولو كانت ركاما وحطاما، وبين من يهجر الأرض عند أول تحدٍ أو شعور بالخطر وإن ادَّعى إليها نسبا.








