رؤى

سياسات ترامب أضعفت القوة الناعمة الأمريكية لصالح الصين.. كيف؟!

ترجمة: أحمد بركات

على مدى قرابة عقدين كاملين، كانت نتائج الدراسات المسحية العالمية، التي أجراها مركز “بيو” للأبحاث، تشير بجلاء إلى نتيجة واحدة لا تتغير، مفادها أن الرأي العام العالمي يُفضّل الولايات المتحدة أكثر من الصين. ولكن يبدو أن هذه الحقبة قد وَلَتَ.

ففي تقريره الصادر في منتصف يوليو، والذي يستند إلى مقابلات أجراها مركز الأبحاث الأمريكي مع أكثر من 42 ألف شخص في 36 دولة، وجد المركز أن الصين باتت يُنظر إليها باعتبارها أكثر قبولا من الولايات المتحدة في معظم الدول التي خضعت للدراسة المَسْحِيَّة.

وتؤشّر هذه الدراسة لعلامة فارقة أخرى، وهي أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يتمتع الآن بثقة أكبر من تلك التي يحظى بها نظيره الأمريكي دونالد ترامب، بفارق 10 نقاط في 20 دولة حرص “بيو” على متابعتها على أساس سنوي منذ عام 2023.

ويكتسب هذا التحول في المزاج العالمي أهمية أكبر، لأنه يأتي في أعقاب تراجع القوة الناعمة الصينية إلى أدنى مستوياتها منذ تفشي جائحة كوفيد ـ 19، منذ سنوات وجيزة. ومع الأخذ في الاعتبار مكانة دراسات “بيو” بوصفها معيارا فارقا في تتبع الرأي العام العالمي، يبقى من الصعوبة بمكان المبالغة في تقدير القيمة الرمزية لهذا التحول.

تأكيد وليس مفاجأة

رغم كونها صادمة، تبقى النتيجة التي توصل إليها مركز الأبحاث العالمي؛ تأكيدا لتوجه يمكن رصده في معظم أنحاء العالم، أكثر منها مفاجأة هبطت من السماء.

ففي التصنيف الذي أجراه معهد “جالوب”، ومقره واشنطن، في العام 2025، تجاوزت معدلات الثقة التي حظيت بها الصين (36%) تلك التي حظيت بها الولايات المتحدة (31%) في أكثر من 130 دولة، في أكبر هامش سجله “جالوب” بشأن معدلات الثقة في الصين، على مدى قرابة 20 عاما.

وفي مايو 2025، نشرت صحيفة South China Morning Post مقالة رأي أفادت بأن الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب، من  فرض تعريفات جمركية وخفض للمساعدات، إلى جانب ازدراء هذه الإدارة للحلفاء، كان بمثابة تنازل فعلي في سباق القوة الناعمة لصالح بكين.

ووصف خبراء آخرون في السياسة الخارجية النتائج الأخيرة التي توصل إليها مركز “بيو” بأنها “غير مفاجئة” لأسباب مشابهة. وأشاروا إلى أن تقلبات السياسة الخارجية الأمريكية، بما في ذلك استخدام القوة والإضرار الاقتصادي الناجم عن التعريفات الجمركية، أدت إلى شحذ المشاعر العالمية ضد الولايات المتحدة، فيما تبدو الصين الآن كيانا أكثر موثوقية. وأشارت بيانات “بيو” السابقة” بالفعل في نفس الاتجاه. فقد أظهر تقرير يوليو 2025 (https://www.pewresearch.org/wp-content/uploads/sites/20/2025/07/pg_2025.07.15_global-views-china-2025_report.pdf)

تراجع الآراء بشأن الولايات المتحدة، وتحسن الآراء بشأن الصين في العديد من الدول، مع  تقارب المنحنيين الأمريكي والصيني بشكل مطرد. وسجل تقرير 2026، لحظة تقاطع المنحنيين.  (https://www.pewresearch.org/global/2026/07/15/people-in-many-countries-now-view-china-more-positively-than-the-u-s/

أسباب التحول

وتتضامن ثلاثة عوامل، في تفسير هذا التحول في الرأي العام العالمي، تجاه بكين وواشنطن. يتمثل أول هذه العوامل في تلك الجاذبية التي تتمتع بها الاستثمارات الصينية. فبعد سنوات من الدعاية الفاشلة، بدأت القوة الناعمة الصينية في تحقيق تفوق لافت.

فعلى المستوى الثقافي، منحت ظاهرة Chinamaxxing (وهي “تريند” واسع الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي أدى إلى انتشار أنماط الحياة الصينية بين الشباب الغربيين، من شرب الماء الساخن، إلى ركوب القطارات الصينية فائقة السرعة، من خلال مقاطع البث المباشر لأشخاص مؤثرين) الصين ذلك الطابع العضوي الناشئ من القاعدة، الذي طالما حظيت به اليابان وكوريا الجنوبية، بعد أن عززته منتجات مبهرة مثل لعبة الفيديو “Black Myt: Wukong”، وفيلم “Ne Zha 2″، وعرائس “Labubu”.

كما حظي نموذج التطوير الصيني بوجاهة خاصة، حيث ساعدت هيمنة هذا النموذج في مجالات السيارات الكهربائية والبطاريات والبنية التحتية؛ في جعل النموذج الصيني هدفا للمحاكاة بدلا من الاستهجان والسخرية، ما دفع بواشنطن ذاتها إلى تبني سياسات صناعية مستمدة بوضوح من الصين.

وعلى الصعيد الدبلوماسي شن شي، حملة مُحكمة ومستمرة عبر مبادرات “التنمية العالمية”، و”الأمن العالمي”، و”الحضارة العالمية”، وحوكمة الذكاء الاصطناعي؛ ليجعل من الصين مزودا للسلع الشعبية وبطلا للنصف الجنوبي من العالم.

أما العامل الثاني، فيرتبط بالأساس بطبيعة الدول التي تحظى فيها الصين بالثقة الشعبية. فقرابة نصف الدول التي خضعت لدراسة “بيو” متوسطة الدخل، وتلك هي المساحة التي تتمتع فيها الصين بالتميز الواضح على حساب الولايات المتحدة.

فقد وجد “بيو” أن الصين تتمتع بشعبية جلية في الاقتصادات الناشئة في أفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا منها في الدول الغنية، حيث سجلت مستويات قياسية هذا العام في كولومبيا وإندونيسيا وماليزيا والمكسيك ونيجيريا وتركيا، فيما تعاني الولايات المتحدة نزيفا حادا في شعبيتها، في الديمقراطيات مرتفعة الدخول، التي كانت في السابق مصدر إعجاب بها.

ومع ما تحققه بكين من مكاسب في النصف الجنوبي من العالم، وما تُمنى به واشنطن من خسائر على مستوى تعاطف حلفائها، يصبح التقاطع وتغير الاتجاهات في منحنيي تقدم الأولى وتراجع الثانية حتميا من ناحية الأرقام.

يشير ذلك إلى العامل الثالث، وربما الأكثر أهمية، والذي يعود إلى التراجع الأمريكي في مجال القوة الناعمة أكثر مما يعود إلى الصعود الصيني. ربما تجعل الأرقام التي توصّل إليها معهد “جالوب” هذه الفكرة صادمة. فقد كانت نسبة تأييد الصين في عام 2025 تحت الصفر (-1%)، كما تراجعت نسبة تأييد الولايات المتحدة إلى نسبة غير مسبوقة عند -15%. وتشير بيانات “بيو” المفصلة إلى نفس النتيجة، حيث تخلص إلى أن الصين تدين بتفوقها بشكل خاص إلى التدهور المريع في الآراء بشأن الولايات المتحدة. لكن الخسائر التي تُمنى بها واشنطن لا يمكن ترجمتها إلى مكاسب مماثلة لبكين.  لقد كان الانهيار الأكبر في السويد

(https://www.pewresearch.org/wp-content/uploads/sites/20/2026/06/pg_2026.06.23_us-image-2026_report.pdf)

حيث تراجعت نسبة الأشخاص الذين يعتبرون الولايات المتحدة شريكا موثوقا بـ 52 نقطة، (من 83% في عام 2022 إلى 31% اليوم). وخلال الفترة نفسها، حققت الصين مكسبا بلغ 15 نقطة فقط، (من 12% إلى 27%).

ويتكرر النمط نفسه لدى حلفاء واشنطن المقربين الآخرين، فقد تراجعت نسبة من يصفون الولايات المتحدة بحليف موثوق في كندا من 83% في عام 2022، إلى 35% (84 نقطة)، في مقابل ارتفاع نسبة تأييد الصين بواقع 30، نقطة من 14% إلى 44% خلال الفترة نفسها.

كما يعكس تحوّل المنحنى على مستوى القيادة زيادة نسبة تراجع ترامب مقارنة بنسبة صعود شي برغم استمرار تدني معدلات الثقة في كليهما. وفي أوروبا، حيث يتفوق شي، الآن على ترامب بعشرات الأرقام في 7 دول، لا يزال أفضل تصنيف له متواضعا، عند 37%، في المملكة المتحدة. لقد تغيرت النتيجة في الأغلب لأن أحد الفريقين لا يزال يسجل أهدافا في مرماه!

ليس تحولا عالميا

لا يتسم هذا التحول بالتناسق الجغرافي، إذ يتركز في دول الحلفاء الغربيين للولايات المتحدة (أستراليا، وكندا، وفرنسا، وألمانيا، ومعظم أوروبا)، وأجزاء من أمريكا اللاتينية، حيث تنقسم بالتساوي العديد من الشعوب التي كانت تعتبر الولايات المتحدة الشريك الأكثر موثوقية.

وبشكل لافت، لم يحدث هذا التحول في الدول المجاورة للصين، حيث تتفوق الولايات المتحدة في معدلات التأييد في 6 دول فقط، بينها 4 دول في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهي الهند واليابان والفلبين وكوريا الجنوبية، إلى جانب إسرائيل وبولندا.

ففي الفلبين يعتبر 81% الولايات المتحدة شريكا موثوقا، مقارنة بـ 42% مؤيدين للصين. ويبدو أن التقارب الجغرافي مع الصين، خاصة عندما يكون مصحوبا بنزاعات بحرية يقلل من جاذبية بكين.

إلى متى يمكن أن يستمر التفوق الصيني؟

هناك سببان على الأقل يجعلان استمرار هذا التحول محل شك. أولهما أن القوة الناعمة أكثر تقلبا بكثير من القوة الخشنة، إضافة إلى أن الرأي العام يمكن أن يتأرجح بسهولة بين عام وآخر.

وتبرز الدراسات المسحية السنوية التي يجريها معهد ISEAS-Yusof Ishak Institute هذه الحقيقة بجلاء. ففي عام 2024 (https://www.iseas.edu.sg/wp-content/uploads/2024/03/The-State-of-SEA-2024.pdf)،انحاز المشاركون في الاستطلاع إلى الجانب الصيني لأول مرة على حساب الولايات المتحدة (50.5% مقابل 49.5%)، قبل أن يعاودوا الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في عام 2025 (52.3% مقابل 47.7%)

(https://www.iseas.edu.sg/wp-content/uploads/2025/03/The-State-of-SEA-2025-1.pdf). وفي عام 2026، (https://www.iseas.edu.sg/wp-content/uploads/2026/03/The-State-of-Southeast-Asia-2026-Survey-Final-Single.pdf)، تفوقت معدلات الصين على المعدلات الأمريكية مرة أخرى (52% مقابل 48%). إن المشاعر التي تتأرجح بهذه السهولة تشبه دوارة الرياح أكثر مما تشبه النصب التذكاري.

وثانيا، فيما تتقارب معدلات شعبية الصين مع معدلات شعبية الولايات المتحدة، تبقى المسافة بين الأسس الجوهرية للقوة الناعمة للدولتين متباعدة. فالقوة الناعمة تستمد وجودها من المصداقية وليس من الدعاية، وربما لم تُرْسِ الصين بعد الأسس المتينة والوثيقة لجاذبيتها.

ففي الداخل الصيني، لا توجد أي مؤشرات على وجود تطور كبير، في سيادة القانون أو الحرية السياسية، بل ربما العكس هو الصحيح. (https://freedomhouse.org/country/china)

وهو ما يدركه الرأي العام العالمي. ففي 11 دولة فقط من إجمالي 36 دولة شملتها دراسة “بيو”، أقر نحو نصف المشاركين أو أكثر بأن الحكومة الصينية تحترم الحريات الشخصية لشعبها.

ورغم الأضرار الساحقة التي لحقت بصورة الولايات المتحدة جراء توجهات ترامب السلطوية، إلا أنه مع استمرار المؤسسات الأمريكية وسيادة القانون، فإن احترام الديمقراطية والدبلوماسية الأمريكية يمكن أن يتعافى في ظل إدارة مستقبلية أكثر تمسكا بالتقاليد.

وقد أظهرت بيانات مركز “بيو” للأبحاث بالفعل هذه الانتعاشة، حيث ارتفعت المؤشرات الرئيسية للقوة الناعمة الأمريكية ـ والتي تتمثل في إجمالي معدلات شعبية الولايات المتحدة والثقة في الرئيس الأمريكي ـ بدرجة كبيرة، بعد أن تولى جو بايدن منصب الرئيس الأمريكي في يناير 2021، ليحدث تحولا جذريا في سجل التراجعات الحادة التي مُنيت بها إدارة ترامب الأولى. ومن ثم، فقد يثبت عجز القوة الناعمة الأمريكية أنه متكرر، فيما قد يثبت عجز القوة الناعمة الصينية أنه بنيوي.

من السابق لأوانه إعلان النصر

تكشف الدراسة المسحية التي أجراها مركز “بيو” لعام 2026 عن تحول حقيقي وتاريخي في المزاج والرأي العام العالمي. ولكن من الأفضل فهم ذلك باعتباره إعادة تموضع نسبيا، وليس انتصارا حاسما ونهائيا للقوة الناعمة الصينية.

ففي عيون كثيرين، تبدو بكين الآن الشريك الأسهل وصولا والأكثر قابلية للتنبؤ، خاصة مع حالة الفراغ التي خلفها انحسار واشنطن. ولكن بيانات “بيو” لا تُظهر تحولا كبيرا في الميول أو الإعجاب. لقد فازت الصين على مستوى المقارنة، ولكنها لم تفز بعد بالقلوب والعقول.

وحتى الآن، لا يمكن تفسير أرقام الدراسة الأخيرة التي أجراها مركز “بيو” على أنها تأييد مطلق للقوة الناعمة الصينية، بقدر ما هي اتهام خطير للجراح التي جلبتها الولايات المتحدة على نفسها. وعلى عكس حالات البتر، يمكن أن تلتئم الجراح، ما لم تواصل أمريكا جلب المزيد من الجراح على جسدها.

رابط المقال:

https://www.cfr.org/articles/china-now-outranks-the-united-states-in-global-favorability-what-happened?utm_medium=social_owned&utm_source=fb&fbclid=IwZnRzaATYLiNwZG9mBWZkaWQWULh8eGdXa8jDorqFxY2knCI0ZnVSlWV4dG4DYWVtAjExAHNydGMGYXBwX2lkCjY2Mjg1NjgzNzkAAR4pT8eL3XD9XGCGdoGV4T6no7Gv5Ir7XNV03s6XwwGSpJEexhyHXFzQisLIJg_aem_RKxDFyKZcWWMDuF1p1q86g

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى