ثقافة

تحدّيات على طريق الإصلاح (٦) ضعف النزعة العقلية

من العقبات التي تعوق المسار الإصلاحي، تراجع الطّرح العقلاني وسيطرة الجانب العاطفي الانفعالي الذي يُركّز على اللفظ دون المعنى، ويهتم بالشكل على حساب الفكرة، فيحشد الكلام المنمق والألفاظ الرنانة يُبعثرها على الجمهور، مُتصيدا من هنا وهناك كلاما لا رابط بين أجزائه إلا أنّه كلام عام في الدين، وتغِيب وحدة الفكرة، ودقة وعمق التناول، ومع سيطرة لغة الوعظ الإنشائية التي تحرص على إظهار غزارة المحفوظات تغيب منهجية العرض الجيد، الذي يسوق الموضوع في لوحة مكتملة من المقدمات المنطقية التي تقود القارئ أو السامع إلى النتيجة، إذ لو ارتضتْ منهجية العرض إغفال بعض الجزئيات، فسيكون ذلك في حق النتائج لا المقدمات، فالخطاب الديني مطالب بأن يسوق المقدمات كاملة، وله أن يسكت عن بعض النتائج التي يُراد من الجمهور المشاركة العقلية في استكشافها والتعرّف عليها، بما يُحدث تفاعلا حيويا بين الملقى والمتلقي.

فالفكر الديني ينقصه الرّصد المسبّق لمشكلات المجتمع واكتشاف ظواهره السلبية، فكثيرا ما يكون المجتمع في وادٍ والخطاب الديني في وادٍ آخر، يتعجل الحلول في خطاب مبتسر يناقش قضايا وأفكار لا تُعبّر عن أولويات المجتمع، بل إنّها تُعبِّر عن بيئات أخرى أحيانا، ولا يأخذ في اعتباره القضايا المرحلية التي يعيشها المجتمع، أو التساؤلات الملحّة التي يطرحها الواقع الجمعي لهذا الجمهور، فلا يمنح القائمون على الخطاب الديني أنفسهم فرصة التفكير وإعادة الاجتهاد في مشكلات المجتمع مكتفين بترديد إجابات القدامى بعد نزعها من السياقات التي أنتجتها، يحرمون أنفسهم من الاستفادة مما انتهت إليه الدراسات الاجتماعية والنفسية والدراسات اللغوية الحديثة وفنون التواصل وعلوم الإدارة والتخطيط ومنهجيات البحث العلمي.

وقريب من هذا ما يقع فيه بعض دعاة تجديد الخطاب الديني من تفريغ المضمون الإصلاحي من الداخل حين يتعجّل المجدد، فينقل نتائج محاولات التجديد التراثية، مستعيرا نتائج مدرسة الرأي أو مدرسة ابن رشد أو مدرسة أهل التوحيد والعدل/المعتزلة أو غيرهم ممن أفسحوا للعقل مجالا في الدرس قديما، فيتحوّل الخطاب من تجديد فكر إلى ترديد أفكار، فيستعير ثمرة فكرية ارتبطت بزمنها وجغرافيتها وصراعاتها مع خطابات أخرى لا تخلو من حضور فيها، فنحن في حاجة إلى الاستفادة من طرق التفكير ومنهجيات الدرس العقلي في تلك المدارس دون محاولة استنساخها، إن نظرة إلى مسار تطوير منهجيات الفكر وآليات الدرس اللغوي تُخبرك بوضوح أين يقف الخطاب الديني على سُلّم التجديد والمواكبة! فما زال أمامنا الكثير حتى نقول إننا نسير في اتجاه تجديد خطابنا الديني..

الإصلاح الفكري المرجو ينبغي أن يُفسح المجال لمزيد من المنهجيات العقلية في الاختيار والتناول والعرض ومعالجة النصوص، وأن يُعيد النظر في طريقة انتقاء النصوص وجلب الشواهد، وأن يفسح مجالا للنظر العقلي في نقد الظني منها، واختبار صحتها، فتجديد الخطاب الديني يحتاج إلى التفكير أداة للمنهجية، والبرهنة العقلية أداة للإقناع، والمدارسة والتحليل والنقد وتنظيم الأفكار بوصفها مكوناتٍ منهجية ضرورية لا بديل عنها.. فليس هناك تجديد حقيقي دون تفكير، وكل محاولة تجديد بلا منهجية عقلية واضحة، تتحول إلى شعارات براقة تتلاشى في الفضاء.

يحتاج الإصلاح أن نُنظّم علاقة الدين بالعلم؛ فنُسلّم بحميمية العلاقة بين العلم والدين، وأن الإيمان بعالم الغيب ينطلق من النظر في آيات الكون التي يكشف العلم كل يوم شيئا من أسرارها التي تدل على خالق مبدع.. فالعقول -في منظور الإسلام- مصابيح إنسانية نزل الوحي مقويا وهجها، ومنحها زيتا جديدا؛ لذا حثّ القرآن الكريم على التفكر والتأمل وإعادة النظر باعتبارها أدواتٍ لمعرفة الله، وهذا التأكيد من الخطاب الإسلامي بعدم التعارض بين العلم والدين يقتضي منه أن يُفسح المجال للعلم ليتحدث عن العلل المباشرة للظواهر الطبيعية، وألا يتدخل في تفسيرها؛ لأن هذا ميدان دراسات علوم متنوعة، مكتفيا باتخاذ هذه الظواهر مع عللها المباشرة موضوعا للتذكير بالله عز وجلّ، مُفسحا المجال للدنيوي ليتحدث عن نفسه في ميدانه.

فدعوى شمولية الإسلام لمناحي الحياة من منظور الخطاب الإسلامي تحوّلت من شمولية مبادئ وقيم وسنن كونية إلى شمولية تفاصيل حياتية، تحتوي حتى على تفاصيل الظواهر المادية.. ما جعل الخطاب الدعوي في حالة استنفار دائم لتفسير وتوجيه كل شيء.. متجاهلا أن المسلمين ما أنتجوا، وأبدعوا في الدنيا إلا حين أطلقوا العنان للاجتهاد العقلي، وانتفعوا بما ترجموا عن الحضارات السابقة، فكتبوا في علوم الطبيعة والرياضيات والطب وغيرها مما أفاد الغرب في حضارته الراهنة، وإن كانت هناك محاولات قديمة لتقديم تفسير ديني لبعض الظواهر كما كان من ابن عباس -رضي الله عنه- من قوله في تفسير الرعد بأنّه: “ملك يسوق السحاب بمقلاع من فضة”( ) فإن صحّت الرواية فإنها لا تعدو عن كونها اجتهادا وتأويلا.

ومن ناحية أخرى يتحمّل جمود الفكر الديني جزءًا من المسئولية عن الإلحاد في مجتمعاتنا ليس بقصوره عن الاستفادة من آليات التواصل المستحدثة فحسب بل بضعف الاستدلال العقلي في خطابه بما يُهدد أن يكون خطرا على البعض، ممن لا يستطيعون الفصل بين الدين والفكر الديني لهذا الداعية أو تلك الجماعة، فلا يُميّز بين أخطاء الدعاة والإسلام، فيُمسى الخطاب الديني في بعض صوره، وعلى ألسنة بعض دعاته أحد أسباب الإلحاد، وكما قال الدكتور مصطفى محمود في رحلته من الشك إلى اليقين “أول من زرع الشك في قلبي تجاه الدين خطيبُ الجمعة -في صباي- حين كان يتحدث ببعض الآثار والمرويات، وأظنّ أنها الدين، فأقول في نفسي كيف بالدين لا يستقيم مع العقل؟!”

فالخطاب الديني الرسمي يُعاني من قصور في الحديث عن دور العقل وإعمال الفكر والتأكيد على مسئولية الفرد في الاختيار والعمل والتمييز بين التوكل والتواكل، مغذِّيا فكرا سلبيا لدى الجمهور بالتأكيد على المؤامرة الكونية التي تُدبِّر ليل نهار للنيل من الإسلام، فيُثير الانفعالات، ويُحرك العواطف، ويُقوّى فكرة حتمية الصراع التي ينطلق منها خطاب الجماعات التصادمي، متجاهلا حقيقة الدعوة الإسلامية التي أتت لتعزز الفكر، وإعمال العقل، وتمحو الجاهلية بدلالتها اللغوية، وليست دلالتها التاريخية، فمصطلح الجاهلية قبل أن يستخدم مؤخرا للدلالة على فترة تاريخية محددة زمنا بعصر ما قبل الإسلام، فإن دلالتها اللغوية ليست من الجهل الذى هو ضد العلم بل من الجهل المضاد للحلم، فالجهل تعبير عن الغضب في قول الشاعر:

ألا لا يجهلنّ أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين

فالجاهلية خضوع لسلطة الانفعال والاستسلام لقوة العاطفة دون الاحتكام إلى رزانة العقل وقوة المنطق ومن هنا يأتي التعصب، فالخصومات العربية التي سببها الجهل بمعنى الغضب وقوامها عاطفة لا تعرف العقل والمنطق هي أهمّ ملامح جاهلية المجتمع الذى جاء الإسلام لتغييرها بتعزيز الفكر وسلطة العقل وضرورة الوعي، وامتداح الحلم والتحذير من التمادي في الغضب، فبين معنى الجهل الذى هو ضد الحلم قديما، والجهل الذى هو ضد العلم حديثا صلة قوية، فعدم العلم وانتقاء المعرفة ركيزة اساسية للخضوع لسطوة الانفعال والاستسلام لقوة العاطفة.

فإسلام الوحي وإنْ وضع القواعد والقيم الكلية اللازمة لحفظ الوجود الإنساني، إلا أنّه ترك للمسلمين أمر الاجتهاد في التفاصيل لتغير الأزمنة والأمكنة وفق سنة الله في الحركة والتغيير غير أن المتأخرين من المسلمين أرادوا تثبيت التفاصيل عند طرح القدامى، في محاولة لإيقاف الحركة والتغيير الزمني، ولما كان إيقاف الزمن عصيا عليهم أوقفوا عقولهم وقالوا هذا ديننا، وذاك خطابنا..

ومما يُقوِّى النزعة العقلية التساؤل المستمر والمراجعة الدائمة القادرة على تصحيح الأخطاء، والتقدم نحو مزيد من الاجتهاد، ذاك التساؤل المستمر يدفع الخطاب الدعوي للبحث عن الإجابات المنطقية والحجج العقلية في مناقشة الأفكار.. وهذا ما فعله الشيخ عبد القاهر الجرجاني قديما إذ بدأ صوغ قضاياه ومناقشاته حول إعجاز القرآن الكريم بطرح سؤال ينطلق منه، فلم يقنع برأي لسابقيه دون ذكر الحجة وبيان العلة.( )

فإصلاح الفكر الديني يتطلب السعي إلى تحريك العقول بالتحدي، و”التخلص من ذلك الجدار العازل الذي طال وجوده في ثقافتنا بين “العامة” و “الخاصة”، فتلك الدعوات التي تتردد بين الحين والآخر عن حصْر النقاش في بعض القضايا الدينية داخل دائرة “أهل العلم”، حتى لا تتشوش عقائد العامة أو يُصيبها الفساد، دعوات في ظاهرها الرحمة والحق وفي باطنها السوء والباطل… كيف يمكن في عصر السماوات المفتوحة التي تنقل “العالم” إلينا وفي عصر اكتساح ثورة المعلومات لكل الحدود… كيف يُمكن في عصر كهذا أن يُطالب البعض بحماية “العامة” من خطر الفكر العلمي في أخطر القضايا التي تمسّ حياتهم، إنّه للأسف منطق الوصاية يتذرع باسم “الحماية” لممارسة ديكتاتورية فكرية وعقلية لا تقل خطرا عن الديكتاتورية السياسية في مجتمعاتنا”.( )

فلا يجوز أن نُطالب الأمة بموقف لا تعي دوافعه؛ لأنّ الموقف نتاج الثقافة أيا كان اتجاهها، والأمة محجوبة عن مناشئ الثقافة الواعية، بعدما رسّب الخطاب الديني التقليدي في لا وعيها عدم قدرتها على إدراك مفاهيم القرآن الكريم والسنة الشريفة إلا بواسطة، ولو بمستوى الفهم العام دون التخصص المتوقف على توافر أدواته، فأصبحت الأمة تتلقى المعرفة من أفواه الرجال، وليس لها الحق في تخطّي ما يفهمه المفسرون من النصّ الديني.. فوظيفة الأمّة هي الإصغاء والتّلقي المُجرّدين عن النقد والمراجعة والتشكيك والتسليم التام لأطروحاتهم الفكرية والثقافية. ( )

أخيرا لا أمل في استنقاذ الأمة من التردّي الثقافي ما دام إصلاح الفكر الديني نُخبويا أُحاديا يتعهده رُوّادُ الإصلاح واحدا تلو الآخر؛ فلا يُمكننا وصفه بالتيار، فالإصلاحيّون معدودون غير قادرين على التغلغل في أعماق الوسط الاجتماعي؛ والتحوّل بعدُ إلى تيار عارم “يهزّ ضمير الأمة ويوقظ شعورها بالمسئولية تجاه مستقبلها، ودعوتها إلى رفْض السكونية الناتجة عن عدم وعي الأزمات، أو الناتجة عن عدم إدراك خطورة التراكمات التاريخية والفكرية والسلوكية، على مستقبل الدين، لهذا ظلّت الدعوة إلى مراجعة الفكر والثقافة، والإلحاح على دراسة الواقع ومكوناته الثقافية دعوة “مريبة” تستفزّ مشاعر فئة من المتطفلين على الدين، ممن يخدمهم انشغال الناس بالخرافات والطقوس الخالية من أي محتوى ديني، ويزعجهم الوعي واكتشاف التزوير والبدع المختلطة بالدين… وهذا المنهج يتطلّب أولا تجسير العلاقة بين الأمة والنصّ الديني، وإيجاد علاقة مباشرة بينها وبين القرآن الكريم والسنة الشريفة الصحيحة، وتبصيرها بالحقوق والواجبات والأحكام، وتسليحها بالعلم والمعرفة، كي تتمكن من تشخيص الصواب والخطأ، وليس هذا تعطيلا لدور العالم أو المفكر، وإنما هو إشراك للأمّة في تدبير شئونها، وتحمّل مسئوليتها، حينما يُطيح الفهم الخاطئ بمصلحتها ومستقبلها، وستتحوّل الأمة -حينئذ- إلى تيار ضاغط، يُهدّد النزعات الشخصية، ويرسم اتجاه حركة الدولة والقيادة. أمّا إذا أخفق وعي الأمة وعجز عن تشخيص ما هو مقدّس وما هو ليس بمقدس، فإنها ستخسر دورها، وتخضع للأمر الواقع الذي لم تشارك في صناعته، وإنما فرضه عليها الفهم المشوه أو الناقص”.

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى