رؤى

ما بعد الطوفان.. أوهن من “طائرة ورقية”

في فيلمه “يد إلهية” يقدم المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، سخرية لاذعة من جيش الاحتلال، من خلال مشهد طريف يصور المشهد شابا فلسطينيا؛ على أحد الحواجز العسكرية التي ملأ الاحتلال بها مناطق الضفة الغربية، ويدرك الشاب أن وصوله إلى القدس أمر مستبعد في ظل هذه الحواجز؛ فيلجأ الشاب إلى خدعة ذكية، حيث ينفخ بالونا، ثم يرسم عليه صورة للزعيم الراحل ياسر عرفات، ثم يطلقه في الجو.

يلحظ جنود الاحتلال البالون، ويرون فيه خطرا داهما؛ حتى أن أحدهم يبادر إلى إطلاق النار عليه؛ لكن زميله يمنعه.

وتصل “خطورة” الموقف -من وجهة نظر المحتلين- إلى حد مبادرة الجنود -على الحاجز- إلى الاتصال بالقيادة، ليسألوها عن كيفية التصرف.

لكن الوقت قد تأخَّر، ووصل البالون بالفعل إلى القدس، وطاف في أركانها وحلّق فوق كنيسة القيامة، ثم استقر فيما يشبه الطواف، حول قبة الصخرة.. في مشهد لا تخفى دلالته، على عين المشاهد البصيرة.

ما تخيله المبدع إيليا سليمان، تحوَّل إلى واقع ملموس، في مشهد عبثي بامتياز، فالجيش الذي يتباهى بأنه الأقوى في المنطقة والأكثر تسليحا والافضل تدريبا- بات يخشى من طائرات ورقية.

وهذه الطائرات الورقية التي تنطلق من قطاع غزة، وتصل إلى ما يعرف بمستوطنات الغلاف، باتت الشغل الشاغل لحكومة الاحتلال. حيث اضطرت بضع طائرات ورقية سقطت في مستوطنات غلاف غزة- حكومة المحتل إلى الاجتماع -على نحو عاجل- وإصدار بيان حذرت فيه “من أنه إذا لم تتوقف عمليات الإطلاق فورا، فإن الجيش سيعمل على تصعيد عمليات الاغتيال ضد المسئولين عن الإطلاق، وسيقوم بإخلاء السكان من المناطق التي تُطلق منها الطائرات الورقية والمسيرات والبالونات”.

وخرج وزير الحرب كاتس بتصريح لا يقل عبثية؛ ليقول أنه أصدر تعليماته للجيش بالتحرك بقوة كبيرة، وبشكل فوري ضد ظاهرة إطلاق البالونات والطائرات الورقية من قطاع غزة، واعتبارها عملا حربيا، وتصنيفها مثل الطائرة المسيرة.

وفي إطار التوجيهات الجديدة، أمر وزير الدفاع باتخاذ جميع الخطوات لمنع إطلاق الطائرات الورقية مثل تنفيذ اغتيالات، وإخلاء مناطق تنطلق منها هذه الوسائل.

وهنا يبدو السؤال المنطقي هو: لماذا تخشى دولة الاحتلال التي تمتلك أحدث الأسلحة والتقنيات الامريكية الصنع من طائرة من قماش؟ علما بأن وسائل إعلام عبرية مثل قناة “كان” أكدت أن المقاومة في غزة لا شأن لها بهذه الظاهرة، وأن الأمر برمته “مراهقون وأطفال يشعرون بالملل” ويسرون عن أنفسهم عبر إطلاق هذه الطائرات.

أحد تفسيرات هذا الارتباك الصهيوني هو ما طرحه العميد احتياط في جيش الاحتلال إيرز وينر، في تصريحات صحفية، حيث قال: “يبدو أن الطائرات الورقية هي نوع من التمهيد للطائرات المسيرة من قطاع غزة”.

وأضاف: “ما رأيناه من قطاع غزة خلال السبت هو مؤشر على الاتجاه، الخيوط الطويلة لتلك الطائرات الورقية، قد يتبعها لاحقا سلك لطائرة مسيرة.

والطائرة المسيرة المرتبطة بألياف ضوئية، كما هو معروف وكما تعلمنا في جنوب لبنان، لا تستطيع المنظومات الحالية تحييدها، ولذلك يجب القضاء على هذا الأمر قبل ولادته”.

تفسير آخر طرحته صحيفة يديعوت أحرونوت، فرغم اعترافها أن الطائرات الورقية التي وقع 4 منها في “كيبوتس ناحال عوز” خلال يومين، لا تحمل أية مواد حارقة، كما حملت مثيلاتها قبل معركة طوفان الأقصى وأن جل ما تحمله هو كتابات باللغة العربية.

فإنها اعتبرت أن أثر هذه الطائرات الأساسي.. هو أثر نفسي، حيث إن مستوطني الغلاف لازالوا يذكرون الضرر الذي سببته طائرات مماثلة قبل السابع من أكتوبر.

وقالت الصحيفة بالنص “بالنسبة للمجتمعات التي تعيش على حدود غزة، فإن مجرد رؤية جسم غير ضار كطائرة ورقية يعيد إلى الأذهان ذكريات خطر تطور إلى ظاهرة أكثر تهديدا “في إشارة إلى هجوم السابع من أكتوبر عام 2023.

ويمكن لكاتب هذه السطور أن يضيف إنها تذكير بأن هناك شعب في قطاع غزة، رغم كل ما تعرّض له من حرب إبادة ممنهجة على يد جيش الاحتلال، على مدار عامين كاملين (2023-2025) فإنه لا يزال متواجدا ومتجذرا في أرضه، ولم ترغمه الإبادة الجماعية على الهجرة، من تلك الأرض، كما كان بعض أعضاء الحكومة الصهيونية يمنون أنفسهم.

إن “دولة” تخشى من بالونات الأطفال والمراهقين وتعتبرها تهديدا لهي أكثر هشاشة -رغم كافة مظاهر قوتها العسكرية- من الصورة التي رسمها لها ذات يوم سيد المقاومة اللبنانية، الشهيد حسن نصر الله حين قال إنها “أوهن من بيت العنكبوت” فهي اليوم وبعد نحو 3 سنوات من انطلاقة معركة طوفان الأقصى.. أوهن من طائرة ورقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى