رؤى

تحدّيات على طريق الإصلاح(10) ضمور المكون الثقافي

التجديد ليس إجراءً قسريا، وإنما هو عملية طوعية، تتوقف فاعليتها على تفاعل ثلاثة عناصر، من مجموعها تتشكّل الثقافة وهي: المعرفة، والوعي، والموقف.

فيفتقر المُجدّد -دون غيره- لأدوات تجعل المثقف له دور في عملية التجديد، يفتقر إليها في ممارسة نقد الواقع ومحاكمة أنساقه الثقافية إلى خزين ثقافي، يُمكّنه من قراءة التراث الإسلامي والنّص القرآني قراءة متأنية، تكشف عن مداليلها الحقيقية، وتُجلّي عنها تراكمات المفسرين المتلاحقة، وهذا يستدعي أن يتوافر المُجدّد على أدوات البحث العلمي، والتسلح المعرفي قبل أن يشرع في تفكيك التراث، وفرز ما هو ثابت من الدين، وما هو فكر إنساني يحتفظ بتاريخيته، وتطاله يدّ التجديد في إطار أهداف الشريعة ومقاصدها، وأيّ محاولة للتجديد لا تُراعي ذلك ستأتي نتائجها شوهاء قاصرة عن إدراك الحقيقة، وعاجزة عن تقديم حلول صحيحة لمشكلات الواقع، وقد يُؤدي هذا المنهج في التفاعل مع الفكر إلى ردّة فعل معاكسة، يكون ضحيتها مكانة الدين، وليس التراث أو الفكر الإسلامي وحده.( )

ومن شأن تلك المعرفة أن تصنع وعيا، هو عنصر الحياة في المجتمع، وأداة التغيير نحو مستقبل طموح، فلولاه لا يتحرك في المثقف دواعي التجديد، ولا يتولّد لديه همّ الإصلاح، فالوعْي يرتبط بالتجديد ارتباطا عضويا، وسرّ إخفاق محاولات التجديد المعاصرة يكمن في نقْص الوعي أو توجهه الخاطئ، ونوعية الثقافة السائدة من أهم العوامل التي تُؤثر في بناء الوعي.. فالثقافة النقدية الجادة تؤثر إيجابا في تطويره، والثقافة المنغلقة تُفضي إلى واقع سلبي يُغيّب الوعي، ويعتم الرؤية، فلا يعي معنى التجديد، ولا يدرك ضروراته في ظلّ المتغيرات التي يزخر بها الواقع.

فالخطوة الثانية على طريق التجديد، هي أن يعي المثقف وجود أزمة في الفكر والثقافة ويعي خطورتها وضرورة معالجتها، ثم ينطلق لوضع الحلول المناسبة لها، وفي مقدمة تلك الأزمات التي تعصف بالوعي هي عدم التمييز بين الدين المقدس الذي لا تمسّه يد المراجعة والتقويم والفكر الديني -غير المقدس- الذي يتأثر بالظروف الزمانية والضرورات الحياتية؛ لذا اعتبر بعض الفقهاء عنصري الزمان والمكان، دخيلين في العملية الاجتهادية، لاستنباط الأحكام الشرعية، بغية الإجابة عن أسئلة العصر، والكفّ عن أسئلة الماضي التي لا مساس لها بالحاضر، وليست مورد ابتلاء المكلفين كما يعبر الفقهاء، فكل مرحلة لها تساؤلات وإشكاليات تعبر عن هموم الفرد والمجتمع.

وعندما يتبلد الوعي، يُتهم التجديد ويدخل في دائرة محاربة الدين، وادعاء أنه محاولة للارتداد عن العقيدة والمذهب، يجب محاربتها لحفظ بيضة الإسلام. فبعد أن التبس الفكر الديني في خطابنا المعاصر بالدين- تعالى على النقد؛ فإذا تأجَّج الوعْيُ أدركت الأمة الخطّ المائز بين حقيقة الدين والفكر الديني، وحينها نفهم جيدا أن الفكر الإسلامي يمثل قراءات متعددة للدين تمت في إطار التاريخ أي ضمن معطيات زمانية ومكانية محددة؛ فهو في حقيقته تراث بشري لا ينفصل عن تاريخيته.

ويُراد بالوعي القدرة على تشخيص الواقع وفِقه ملابساته وتشخيص أخطائه بعد تفكيك مكوناته ومحاكمة أنساقه، وتحديد الأولويات، وتمييز الالتباس، واكتشاف التزوير، فالشعوب الواعية شعوب يقظة متبصرة، والشخص الواعي مرهف الحسّ، شديد الحساسية إزاء التزوير والمغالطات، فلا يتكيّف مع الواقع المزوّر، بل يعيش حالة من الغليان والثورة الداخلية ضدّ القيم المصطنعة، ويتطلع باستمرار إلى التجديد والإصلاح، فأوّل بوادر التطور الحضاري والانطلاق في مهام التجديد ومصداقية التقدم على أرض الواقع- أن يسود الوعي المفاصل الحياتية في المجتمع، والوعي يُغاير المعرفة والاطلاع واختزان المعلومات، فربما يُرَاكم الشّخْصُ في ذاكرته كمًّا كبيرا من المعارف والعلوم، غير أنه يفتقر إلى الوعي، لأن المعلومة حينما تستقرّ في لا وعيه لا تضيء فضاءه المعرفي، فلا تحرك المظاهر الخاطئة والمفاهيم المزورة فيه هم الإصلاح والتجديد، وعلى العكس تعيش الشعوب غير الواعية السكونية والتجرد والجمود، والإصرار على رهانات خاسرة والتبرير، إضافة إلى تضخم الذات، والشعور بالفوقية، والانغلاق على الأنا. فإخفاق الوعي يضع الأمة في زاوية التراجع الحضاري، واللجوء إلى حلول غير واقعية، أو الهروب عنها إلى عالم آخر، تتسلى به عن مشكلاتها الحقيقية، أو تنشغل عنها بأخرى، تنتمي إلى ظروف مغايرة، لا تؤثر إيجابا في حل أزماتها الراهنة.

والإنسان الواعي صاحب موقف( ) فلا يتهيب الممنوع، وإنما يتوغل في الشكّ حتى يفهم الواقع، لا تضلله الشعارات، ولا يُستغل، وإنما هو إنسان مرهف الحس، قلق، متوثب، يصغى ليدرك، ويناقش ليفهم، ولا يتحرك إلا عن قناعة ورؤية واضحة؛ لذا هو عقبة كأْداء بوجه المشاريع الطامعة، التي لا تحقق أي نجاح إلا باستغلال الآخرين، وتزوير الحقائق، والتلاعب بالألفاظ، والتستر بعباءة الدين والوطنية، وغيرهما من المفاهيم التي تخطف أضواؤها أبصار ذوي النوايا الطيبة، والمشاعر الصادقة؛ لذا لا يمكن أن نُطلق مصطلح المثقف على شخص يشكو الشجاعة في التعبير عن آرائه، ولا يستطيع أن يُمارس النقد إلا همسا أو في خلواته، فالشخصية المثقفة الواعية تفترق عن غيرها بوثوقها وقدرتها على قراءة الأشياء وتفسيرها، وممارسة النقد بشجاعة، فكم خسر المسلمون بسبب الخذلان وعدم الشجاعة في بيان الحقيقة! وكم تسببنا في تراكم الأخطاء مداراة للناس وعدم المساس بمشاعرهم، فماذا يترتب على المعرفة والوعي إذا لم يتحولا إلى موقف شجاع يعلن على رءوس الإشهاد، وينفع في إصلاح واقع الأمة!

فالثقافة بمكوناتها الأساسية الثلاثة: المعرفة، والوعي، والموقف هي المسئول الأول عن إصلاح الوسط الاجتماعي والفضاء الفكري. فمسئولية المثقف المجدد تتجه نحو إصلاح الأنساق الثقافية بعد تفكيك مكوناتها، ثم مراجعتها ونقدها بغية تقويمها، في خطوة أولى باتجاه إعادة صياغة البنى الثقافية صياغة تخدم مصالح الدين، فتجديد الفكر الديني هو القادر على جعلنا قادرين على الصمود أمام العولمة، ولا نتوقع وعيا بالمسار الإصلاحي من الجميع، فالحمولة المعرفية لأحادي الثقافة لا تساعده على فقه الواقع ومتطلباته، ويستحيل عليه أن ينشغل بهم التجديد، فهو يُعاني من قصور في الوعي بوجود أزمة مسؤولة عن مظاهر التخلف في مجتمعنا تستوجب ضرورة التجديد؛ لذا فإن تحييد هذا الصنف من الناس يعد بنفسه عملا عظيما، يفتح آفاقا واسعة أمام روّاد الإصلاح. ( )

فالركود أصاب كل مظاهر الحياة بالموت، شعاره ليس في الإمكان أحسن مما كان.. حتى مرحلة رياض الأطفال تربّى بالتلقين والترديد وليس التفكير وإعمال العقول، وتنمية الملكات والانطلاق الإبداعي، فـ “الحقيقة أنّنا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية في حاجة إلى ما هو أكثر من التجديد، نحن بحاجة إلى “تثوير” فكري.. وأقصد بالتثوير تحريك العقول بدءا من سن الطفولة؛ فقد سيطرت على أفق الحياة العامة في مجتمعاتنا -سواء في السياسة أو الاقتصاد أو التعليم- حالة من “الركود” طال بها العهد حتى أوشكت أن تتحول إلى “موت”. هذه الظاهرة مشهودة في أفق الحياة العامة، ولا يصح أن نغتر بمظاهر الحيوية الجزئية هنا أو هناك.. في الفنون والآداب بصفة خاصة، فبُؤر الحيوية تلك مثل بقع الضوء التي تكشف المساحات الشاسعة للظلمة. أمّا في مجال الفكر، فاغتراب الفكر غربة المفكرين حالة مشهودة لا تحتاج لإثبات، باستثناء أولئك النقر من المفكرين الذين يحتمون بمظلة سلطة سياسية أو إثنية أو دينية تحوّلهم إلى أبواق تنطق بما يُنفَخ فيها”. ( )

فأوّل الطريق إلى التجديد أن نُدرك شدّة حاجتنا إلى التغيير لمواجهة التحديات والتّغلب على الأزمات التي نعيشها في عالمنا العربي والإسلامي للخروج من حالة الإخفاق الحضاري الذي نعيشه اليوم، الذي يتطلب تجديدا على مختلف المستويات الفكرية الديني منها والاجتماعي والسياسي، فمن أمراضنا المزمنة أننا نُفرّغ كلّ محاولة للتجديد من جوهرها على حد قول نزار “لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية” قشرة تعجز تماما عن إخفاء حقيقة البنية التقليدية التي تجعل حديثنا عن الدولة الحديثة ومؤسساتها ومبادئها لا تعدو عن كونها أمورا شكلية بلا جوهر من هنا تأتي أهمية المراجعة والنقد لجذور البنية التقليدية لا بهدف التكرار أو الإعادة، أو حتى مجرد التسجيل، بل لغاية نقد تلك الجذور، تواصلا معها وانقطاعا عنها في الوقت نفسه؛ إذ لا انقطاع بلا تواصل نقدي مُبدع وخلّاق.

تواصلٌ نُخضع معه التراث الذي نستدعيه من الماضي والحداثة التي نستقيها من الغرب إلى تحليل تاريخي نقدي في عملية وصفها مفكّرون بـ “التواصل الخلّاق” ففكرة المزاوجة بينهما تحت مسميات الأصالة والمعاصرة لم تُنتج سوى حالة من التلفيق -على حد تعبير مفكرين مثل نصر وعيّاد- فمنذ عقود ونحن نتحدث عن ثنائية الغرب” المادي العلمي المتقدم والمفلس روحيا، مقابل “الشرق” المتخلف ماديا وعلميا والغنى روحيا التي انكشف جليا زيفها، وأنها لا تعدو عن كونها تعزية للنفس عمّا صار إليه الشرق من إفلاس روحي ومادي.

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى