رؤى

هل بدأت لندن مراجعة علاقتها بدولة الاحتلال.. بوصول بيرنَم إلى داوننغ ستريت؟

لم يكن وصول أندي بيرنَم (Andy Burnham) إلى رئاسة الحكومة البريطانية في 20 من يوليو 2026، مجرد انتقال عادي للسلطة داخل حزب العمال. فقد جاء الرجل إلى داوننغ ستريت في لحظة كان فيها الحزب يعاني من ضغوط سياسية وشعبية، بينما أصبحت قضية فلسطين واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل القاعدة العمالية وفي الشارع البريطاني.

تولى بيرنَم رئاسة الوزراء خلفا لكير ستارمر، بعد انتخابه زعيما لحزب العمال. وكان انتقاله إلى داوننغ ستريت انتقالا يحمل معه تجربة سياسية مختلفة: تجربة عمدة مانشستر الكبرى، والخطاب الذي يركز على الأقاليم والطبقة العاملة والخدمات العامة، ونقل السلطة من لندن إلى المناطق. لكن الاختبار الأكثر إثارة لم يكن اقتصاديا ولا داخليا، بل كان الموقف من القضية الفلسطينية.

حافظ ستارمر -رغم بعض التحولات المتأخرة- على قدر كبير من الحذر في التعامل مع دولة الاحتلال. وبدا منحازا في كثير من المواقف.. أما بيرنَم فجاء إلى السلطة وفي جعبته تاريخ سياسي، يجعل من الصعوبة بمكان، أن يحذو حذو سلفه.. فمساندة الضعيف والانتصار للمظلوم ومواجهة الظلم، ومساءلة المؤسسات- جزء أساسي من صورته السياسية.

ومن هذه الخلفية يمكن فهم مواقفه الحالية من القضية الفلسطينية؛ فالرجل الذي خاض معركة طويلة من أجل كشف مسئولية المؤسسات البريطانية عن كارثة ملعب هيلزبورو، والذي دخل في مواجهة مع حكومة بوريس جونسون -خلال جائحة كورونا- دفاعا عن سكان شمال إنجلترا والعمال، أصبح الآن رئيسا للوزراء، ويملك أدوات الدولة البريطانية نفسها.

في 8 سبتمبر/أيلول 2026 أعلنت حكومة بيرنَم، عبر وزير الخارجية إد ميليباند، إجراءات تستهدف التجارة والخدمات المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، بالتنسيق مع دول أخرى. وربطت لندن الإجراءات بتوسع المستوطنات والعنف الذي يمارسه المستوطنون، وبالحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية في إطار حل الدولتين.

ولم تكتفِ الحكومة بالقول إن المستوطنات غير قانونية؛ بل استخدمت لغة أشد بشأن الاحتلال نفسه وممارسات المستوطنين، وهو ما جعل القرار سياسيا ورمزيا أكبر من حجمه التجاري المباشر.

وفي اليوم التالي دافع بيرنَم عن القرار أمام الانتقادات، مؤكدا أن بريطانيا مطالبة بالوقوف ضد الظلم وبالدفاع عن حل الدولتين. وهنا بدأ التحول من قرار تجاري إلى أزمة سياسية ودبلوماسية.

ردت دولة الاحتلال بإجراءات دبلوماسية قاسية، من بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، ومنع عدد من الشخصيات البريطانية من دخول إسرائيل، وتحدث مسئولون في الكيان عن ضرورة دعم الأرجنتين في استعادة جزر فوكلاند.. مع تهديدات بالتوسع في إجراءات الرد، إذا واصلت لندن سياستها.

لكن الرد الإسرائيلي لم يؤدِ إلى تراجع لندن. بل دافع بيرنَم عن المبدأ الذي قامت عليه السياسة الجديدة بقوله: لا تستطيع بريطانيا أن تتخلى عن موقفها لمجرد خشيتها من رد الفعل الإسرائيلي.

وبذلك أصبحت القضية أكبر من المستوطنات نفسها؛ إذ تحولت إلى اختبار لمن يملك حق تحديد حدود ما تستطيع دولة غربية حليفة للكيان أن تفعله دون أن تدخل في مواجهة مباشرة معه.

واليوم.. اتسع الجدل داخل بريطانيا، بما في ذلك داخل المجتمع اليهودي البريطاني. ففي الوقت الذي عارضت فيه أصوات يهودية أرثوذكسية بارزة الإجراءات وحذرت من تداعياتها، أيدتها أصوات يهودية تقدمية، رأت أن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية؛ لا ينبغي أن يساوى تلقائيا بمعاداة السامية.

وفي الوقت نفسه ظهرت مشكلة عملية شديدة الأهمية هي: كيفية تطبيق الحظر والتمييز الجمركي بين المنتجات القادمة من داخل إسرائيل وتلك المنتجة في المستوطنات. وذكرت تقارير أن مسئولين بريطانيين كانوا قد حذّروا من صعوبة الفصل بين سلاسل التوريد المتشابكة، وهو ما يجعل “معركة التنفيذ” اختبارا حقيقيا لجدية القرار.

وتتجاوز أهمية التصعيد حجم التجارة المباشرة مع المستوطنات؛ فالمغزى السياسي هو انتقال بريطانيا من الإدانة الدبلوماسية إلى استخدام أدوات الدولة لفرض كلفة على جزء محدد من سياسة إسرائيل في الأراضي المحتلة.

إننا أمام تحوّل نوعي كبير.. فقد انتقلت لندن من الاعتراض على سياسة دولة الاحتلال، إلى استخدام أدوات الدولة البريطانية لفرض كلفة على جزء من هذه السياسة. وهذا فارق مهم بين الإدانة الشفوية والسياسة القابلة للإنفاذ.

والأكثر دلالة أن التحول جاء في عهد سياسي، بنى جزءا من شرعيته على فكرة الوقوف مع الطرف الأضعف في مواجهة المؤسسات الأقوى. لذلك فإن هيلزبورو وكورونا وفلسطين تبدو، حلقات في السيرة السياسية نفسها: مساءلة الدولة عندما تخطئ، والدفاع عن الفئات التي تتحمل العبء الأكبر، ورفض الاكتفاء بالمشاهدة عندما يرى أن الظلم واقع أمامه.

على بيرنَم الآن مواجهة آلية التنفيذ الجمركية وكيفية الفصل بين منتجات المستوطنات والمنتجات الأخرى القادمة من الأرض المحتلة، وتحديد مستوى الإثباتات المطلوبة من المستوردين، كما يتحتم عليه النظر في العلاقة مع الولايات المتحدة. فكلما انتقلت السياسة البريطانية من الكلام إلى التطبيق، زادت احتمالات الضغوط الأمريكية، ولا سيما من الأوساط الجمهورية والجهات المؤيدة لإسرائيل.

ففي الثاني والعشرين من الشهر الجاري، سيكون بيرنَم في نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وهناك يمكن أن يتحول القرار البريطاني إلى ورقة تفاوضية في اتصالات بيرنَم مع فرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى تفكر في خطوات مماثلة.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية؛ لن يفوت نتنياهو استخدام المواجهة مع لندن في خطابه الداخلي، بينما ستحاول المعارضة تقديم السياسة البريطانية، باعتبارها نتيجة مباشرة لتطرُّف الحكومة.

بطاقة تعريف:

ينتمي أندي موراي بيرنَم، المولود في 7 يناير 1970، في أينتري قرب ليفربول- إلى بيئة شمالية عمالية تركت أثرا عميقا في تكوينه السياسي. درس الأدب الإنجليزي في كامبريدج، وعمل في الصحافة والسياسة قبل أن ينتخب نائبا عن دائرة لي عام 2001، ثم صعد داخل حكومات حزب العمال في عهد توني بلير وجوردون براون، فتولى مناصب وزارية عدة، بينها كبير أمناء الخزانة، ووزير الثقافة، ووزير الصحة.

خاض بيرنَم انتخابات قيادة حزب العمال أكثر من مرة. ولم يكن في بداياته السياسية الشخصية اليسارية التي أصبحت صورته الحالية مرتبطة بها؛ فقد جاء من تقاليد “العمال الجديد”، ثم تحرك تدريجيا نحو خطاب أكثر نقدا للنموذج الاقتصادي والسياسي السائد، وأكثر تركيزا على السلطة المحلية، والخدمات العامة والطبقة العاملة.

في 2017، أصبح أول عمدة منتخب لمانشستر الكبرى، وهناك حدث التحول الأهم في شخصيته السياسية. بنى لنفسه صورة السياسي الشمالي الذي يريد نقل مركز الثقل من لندن إلى الأقاليم. ومن أبرز مشروعاته توسيع السيطرة العامة على شبكة النقل التي أصبحت Bee” Network”، إلى جانب سياسات لمواجهة التشرد وتوسيع صلاحيات الحكم المحلي. ومن هنا ترسخ لقب “ملك الشمال”. لكن قضيتين صنعتا صورته السياسية الراهنة بصورة خاصة: هيلزبورو وكورونا.

فخلال جائحة كورونا، تحول بيرنَم من عمدة إقليمي إلى شخصية وطنية. ولم يكن اعتراضه الأساسي على مبدأ حماية الناس من الوباء، وإنما على الثمن الاجتماعي والاقتصادي الذي كانت الحكومة المركزية تريد أن يدفعه سكان المناطق الشمالية لقاء القيود الصحية.

في أكتوبر 2020، عندما أرادت حكومة بوريس جونسون إدخال مانشستر الكبرى في المستوى الثالث والأشد من قيود كورونا، دخل بيرنَم في مواجهة علنية مع داوننغ ستريت. كان اعتراضه أن التعويضات المعروضة للشركات والعمال غير كافية، وأن فرض الإغلاق على مناطق فقيرة نسبيا من دون حماية مالية مناسبة؛ سيدفع أعدادا من الناس إلى الفقر والعوز. وطالب بدعم أكبر للعمال والشركات الصغيرة. وانتهت المواجهة إلى فرض المستوى الثالث رغم اعتراضه، لكن بيرنَم خرج منها بصورة سياسية مختلفة تماما: سياسي يقف في وجه الحكومة المركزية دفاعا عن الناس الذين يتحملون العبء الأكبر للقرار.

في 15 أبريل/نيسان 1989، لقي 97 من مشجعي ليفربول حتفهم في كارثة التدافع بملعب هيلزبورو في شيفيلد. ولسنوات طويلة جرى تحميل المشجعين جانبا كبيرا من المسئولية، بينما ظلت أخطاء الشرطة والسلطات المنظمة للمباراة في الخلفية.

خلص تقرير تايلور إلى أن السبب الرئيسي للكارثة، كان فشل السيطرة الشرطية، لكن المعركة السياسية والقانونية والإعلامية من أجل تثبيت الحقيقة استمرت عقودا.

ارتبط بيرنَم بهذه القضية ارتباطا شخصيا وسياسيا عميقا. وفي أبريل 2009، عندما كان وزيرا للثقافة، ألقى كلمة في الذكرى العشرين للكارثة أمام عشرات الآلاف في أنفيلد، وقاطعته الجماهير بهتاف “العدالة للـ 96″؛ وهو مشهد قال بيرنَم لاحقا إنه كان نقطة تحول شخصية حاسمة في حياته السياسية.

لم يكتفِ بيرنَم بالتعاطف مع عائلات الضحايا، بل ضغط باتجاه فتح الطريق أمام الكشف الكامل عن الوثائق. وكشفت لجنة هيلزبورو المستقلة عام 2012، أن رواية تحميل المشجعين المسئولية لم تكن صحيحة، وأن هناك إخفاقات مؤسسية واسعة، بما فيها تعديل بيانات الشرطة ومحاولات إخفاء جوانب من المسئولية.

وفي 2016، انتهت التحقيقات الجنائية الجديدة، إلى تثبيت أن الضحايا تعرضوا للقتل غير المشروع، في تتويج لمسار طويل من النضال قادته العائلات وسانده بيرنَم سياسيا.

وقد جعل بيرنَم من هيلزبورو نموذجا لما عُرف لاحقا بـ«Hillsborough Law»: ضرورة إلزام المؤسسات العامة بالشفافية والتعامل مع الضحايا بصورة أكثر إنصافا.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى