رؤى

جرائم جيش الاحتلال والمستوطنين.. لم توقف عمليات المقاومة بالضفة!

شهدت منطقة مستوطنة “نفيه تسوف” (حلميش) شمال غربي رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة -الأحد الماضي- عملية إطلاق نار نفذها مقاوم فلسطيني من داخل مركبة، ما أسفر عن مقتل مستوطن إسرائيلي. وعقب العملية، فرض جيش الاحتلال حصارا مشددا على القرى المحيطة وأغلق المداخل والمخارج المؤدية إلى رام الله والبيرة، بالتزامن مع استنفار عسكري واسع شمل نشر 27 كتيبة في أنحاء الضفة. وأعلنت السلطات الإسرائيلية اعتقال مشتبه به لاحقا في مستشفى برام الله. ما حدث ليس منبت الصلة عن حوادث مشابهة، على مدى تاريخ الاحتلال في الضفة الغربية الذي يمتد لنحو من ستة عقود.

والسؤال الأهم: كيف أمكن بعد عقود من الاحتلال والاعتقالات والاقتحامات والقتل وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني، وبعد إجراءات أمنية إسرائيلية متواصلة، أن تظل الضفة قادرة على إنتاج عمليات مقاومة جديدة؟

للإجابة نحتاج إلى البحث في جذور الصراع، التي تؤكد أن العمليات في الضفة – في كثير منها- جاءت ردا على الممارسات الإجرامية لجيش الاحتلال.. فقبل أيام قتل الجيش الإسرائيلي فلسطينيا قال إنه حاول تنفيذ عملية دهس، شمال الضفة.

يتعامل العدو مع كل عملية فدائية باعتبارها “خللا أمنيا” يمكن علاجه بمزيد من القوات والحواجز والاعتقالات؛ لكنه يغفل حقيقة أساسية، وهي أنه يمارس كل ما من شأنه تهيئة المناخ للرد الفلسطيني وتغذية دورة الصراع.

ويفضل العدو التمادي في إجرامه وعربدته وفق مفهوم خاطئ هو أن ذلك سيؤدي إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني، ومن ثم استسلامه التام للاحتلال.. لكن الفلسطينيين أيقنوا بالتجربة المريرة أن المهادنة لا تعني إلا مزيدا من الاقتحامات والاعتقالات ومصادرات الأراضي وهجمات قطعان المستوطنين والتشريد والقتل.

ينتهج جيش الاحتلال هذا النهج، الذي لا يدعم بقاءه في الضفة، ولا يوفر بيئة آمنة لمغتصباته، ولا لقطعان مستوطنيه.. كل ما يمارسه يخالف استراتيجية الأمد البعيد.. وكأن طابع الكيان المؤقت صار حاكما لكل ممارساته، فهو لن يبقى بحال.

وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، سُجل منذ بداية 2026، وحتى نهاية أغسطس أكثر من 1600 اعتداء نفذه مستوطنون، وأدى إلى إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات، في 275 تجمعا فلسطينيا، بمتوسط بلغ نحوا من 6.7 اعتداء يوميا، مقارنة بنحو خمسة اعتداءات يوميا خلال 2025، و1.5 فقط في 2021.

وفي يوليو الماضي وحده، وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية 2256 اعتداءً نفذها جيش الاحتلال والمستوطنون، بينها 1458 اعتداءً من الجيش و798 من المستوطنين. كما وثقت الهيئة أوامر عسكرية استهدفت نحو 831 دونما لأغراض وضع اليد، إضافة إلى أوامر أخرى مرتبطة بشق الطرق وتوسيعها. ووثقت الأمم المتحدة في تقرير صدر في مارس 2026، تسارع التوسع الاستيطاني والضم الفعلي لأجزاء واسعة من الضفة، وقالت إن أكثر من 36 ألف فلسطيني تعرضوا للتهجير خلال الفترة التي يغطيها التقرير، كما وثقت 1732 حادثة عنف من المستوطنين أدت إلى إصابات أو أضرار بالممتلكات في الفترة السابقة التي تناولها التقرير. وخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، تعرّض الفلسطينيون في 275 تجمعا لهجمات من المستوطنين، وشملت هذه الهجمات المنازل والمركبات والأراضي الزراعية والمياه والكهرباء ومصادر الرزق.

وفي إحدى الحالات التي وثقتها الأمم المتحدة، أدى إنشاء بؤرة استيطانية جديدة إلى تحوّل الهجمات على تجمع فلسطيني إلى أحداث شبه يومية، شملت اقتحام المناطق السكنية، والاعتداء على السكان، وتدمير الممتلكات، وفرض قيود على الرعي والوصول إلى الأرض.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن 1109 فلسطينيين قُتلوا على يد القوات الإسرائيلية أو المستوطنين في الضفة منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى منتصف 2026، بينهم 243 طفلا، وفق البيانات التي أوردتها في يوليو.

كما سجلت الأمم المتحدة أكثر من 6200 فلسطيني مهجّر منذ يناير 2023، في سياق هجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها، بينهم أكثر من 2300 شخص خلال 2026 وحده وفق بيانات يوليو.

يغلق الاحتلال كل قنوات الاتصال السياسي، متمترسا خلف صلفه وغروره ومحاولات التضييق المستمرة؛ ناسيا أن كل هذ الضغط لن يولّد سوى الانفجار.. إن الاحتلال يجعل من المقاومة خيارا وحيدا وحتميا لأهل الضفّة الغربية.

لا تضم الضفة الغربية فصيلا مركزيا للمقاومة يمكن القضاء عليه.. هناك فصائل وتنظيمات مسلحة، وهناك خلايا محلية، وهناك أفراد يتحركون بصورة منفردة، وهذا يجعل من -المرجّح- حدوث العمليات الفدائية؛ حتى في ظل الحملات الأمنية المشددة.

في استطلاع للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أُجري في أغسطس 2026، ظهر أن الفلسطينيين ما زالوا في حالة شديدة من عدم الثقة بالقيادتين الفلسطينية والإسرائيلية، رغم أن الاستطلاع أظهر أيضا ارتفاعا ملحوظا في تأييد مسار التفاوض، وتراجعا في الاعتقاد بأن الكفاح المسلح حقق نتائج سياسية ملموسة بعد الدمار الذي أصاب غزة. فماذا إذن عن السلطة الفلسطينية؟ ولماذا لم تتمكن رام الله من حماية سكانها؟

السلطة الفلسطينية ليست دولة ذات سيادة تملك السيطرة الكاملة على الضفة الغربية. صلاحياتها الأمنية والإدارية محدودة، بينما يحتفظ جيش الاحتلال بقدرة واسعة على الدخول إلى المناطق الفلسطينية والقيام بالاعتقالات والعمليات العسكرية.

وتشير تحليلات سياسية متخصصة إلى أن السلطة فقدت قدرا كبيرا من قدرتها على ممارسة السلطة الفعلية داخل الضفة نتيجة العمليات الإسرائيلية وعنف المستوطنين، في حين أصبحت شرعيتها الداخلية موضع انتقاد واسع.. بسبب تعاونها الأمني الواسع مع سلطات الاحتلال في تعقّب المقاومين.. .. ناهيك عن تآكل السلطة ذاتها بفعل عوامل عديدة.

مزيد من عمليات المقاومة سينتجها واقع خشن وبالغ القسوة صنعته سلطات الاحتلال.. وهي تظن أن ذلك هو سبيلها الوحيد لإحكام قبضتها على الضفة الغربية.. لكن ما يحدث دائما هو العكس.. والاحتلال لا يعتبر.. فهو كالأعمى السائر إلى حتفه عاجلا أم آجلا.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى