سؤال وجهه أحدهم اليوم بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لرحيل الرئيس جمال عبد الناصر، وسأترك الطفل الذي كنته قبل نصف قرن ليجيب.
أنا أحب جمال عبد الناصر جدا منذ كنت طفلا.. ولدت بعد رحيله بـ 111 يوما.. يعني فاتني أن أتشرف بأن أكون من مواليد يوم ميلاده 15 يناير بيومين فقط.. لكن جمال كان ما زال حاضرا بقوة في وجدان المصريين.. كانت صوره في بيتنا وبيوت أقاربنا جميلة ومهيبة.. كنت أقف أمامها متأملا وأنا -ربما دون الخامسة- صور تظهر الوجه بأكبر من الحجم الطبيعي، تبرز التفاصيل والملامح بوضوح. العينان بنظرتهما الأخاذة الملهمة الحانية المهمومة، الأنف الكبير الذي يمثل التفصيلة الأهم في الابتسامة الساحرة.. الجبين العريض والشعر القصير المجعد والأشيب من الجانبين في جمال وجلال يليقان به.. في الحُلة البسيطة ورابطة العنق ذات الربطة الصغيرة.. الأكتاف العريضة بمبالغة.. رأيته بسذاجة الطفولة إنسانا لا يشبه البشر العاديين هو إنسان من فصيلة الجبال والأطواد الشامخة.. قدرات استثنائية تجعله يأسر القلوب ويستحوذ على الأفئدة.. رأيت أقرب الناس إليَّ أبي الروحي وزوج كبرى خالاتي يحبه حبا شديدا، فكان حبي للرجلين مفترنا بحبي لكل ما هو نبيل وشريف ووطني ونضالي وذو قيمة.
ثم كان التحاقي بحضانة ناصر في سن الخامسة ولمدة عام واحد قبل المرحلة الابتدائية ترسيخا لمفهوم المحبة، وأنا فكرت أنه متجاوز لفكرة الغياب النهائي، فلا مانع من ظهوره هنا أو هناك ليس قريبا جدا من صورته الحقيقة الكاملة.. فلا مانع أن يمر من أمام القاعة التي كدستنا فيها المعلمة ويبتسم لنا جميعا ثم يشير لي على نحو خاص، أو يغمز غمزة خفيفة بعينه اليسرى. ثم ارتديت بدلته العسكرية هدية من الإسكندرية.. ونمت وأنا أرتديها وسقطت الأنجم عن كتفي.

كنت أجوب شوارع المدينة وحيدا، أستطلع كل شيء، لا أترك حجرا إلا وقلبته وحثت أسفله عن أي شيء يشبه ما يعثرون عليه في الحكايات.. وكان يوم زيارة الرئيس المؤمن لمدينتي تسلقت الكتل الخراسانية المتخلفة عن هدم المبنى الذي احتلت مدرسة البنات الثانوية مكانه بقلب المدينة.. مر الرجل في سيارة مكشوفة ملوحا بكلتا يديه.. تفرست وجهه للحظات.. غار قلبي بين أضلعي.. صدمة وشعور بالخذلان. هل يُعقل أن من رأيت للتو هو من يجلس في كرسي جمال عبد الناصر.. تخيلت لوهلة أنه ربما يضع سلّما أو يتسلق أرجل الكرسي الضخم.. وقد بدت على وجهه الداكن المشفوط بارز الوجنتين العظميتين أمارات الإرهاق والتحدي.. والحقيقة أن خيالي كان متأثرا بفيلم أعجوبة الرجل المتقلص (عقلة الإصبع) الذي كان برنامج الأطفال الشهير يعرضه لنا على أجزاء قصيرة صباح كل جمعة.
ثم كان الانتقال إلى المدرسة الابتدائية بشارع الوحدة العربية، بجوار منزل خالتي الكبرى.. ولما كنت لا أستطيع العودة بمفردي كل يوم.. كان عليَّ أن أذهب إلى بيت الخالة وأنتظر عندها حتى يأتي أحد لاصطحابي.. كان يعني ذلك أن أجلس يوميا بين صور عبد الناصر وأن أسمع الحكايات عنه من زوج خالتي.. حكايات تروى بحب صادق وإيمان عميق؛ فيسكن أثرها القلب مباشرة.. حكايات رغم أن العاطفة القوية هي التي نسجتها؛ إلا أنها صُنعت من مادة قوية صنعها التاريخ الناصع للرجل.
وتوالت الأيام وظلت الصورة في مكانها.. تغيّر كل شيء.. تبدد ميراثه العظيم.. سطا أعداؤه عليه وأعملوا فيه معول الخراب.. وساروا على خطه النضالي والقومي بممحاة لم تترك أدنى أثر.. سلقوا سيرته العطرة بألسنة النفاق الحداد، وتخندق الأعداء من كل شكل ولون في خندق النيل منه.. لكنهم لم يفهموا أنه أقوى من كل محاولاتهم.. قوة أدركها -مع مضي الأيام- بعضهم فتراجعوا وأذعنوا للحق.. وأعرف كثيرا منهم بشكل شخصي. ممن وعى الدرس متأخرا.. بقاء جمال في القلوب عبر الأجيال.. ليس معجزة إنه الحقيقة الأنصع في تاريخ أمتنا الحديث.. وسيمتد هذا الأثر إلى ما شاء، شاء من شاء وأبى من أبى.








