شهد سعر صرف الجنيه المصري، أمام الدولار الأمريكي تراجعا ملحوظا خلال النصف الثاني من أكتوبر 2026، مسجلا مستويات قياسية جديدة، إذ تجاوز الدولار حاجز 56 جنيها في تعاملات 26 أكتوبر، قبل أن يسجل متوسط سعر البيع لدى البنك المركزي 56.17 جنيها في 28 أكتوبر، ثم يتراجع إلى 56.0922 جنيها في 29 أكتوبر.
ووفق بيانات مصلحة الجمارك المنشورة عبر منظومة نافذة، بلغ السعر المرجعي للدولار 56.1234 جنيهًا في 30 أكتوبر. ويأتي ذلك في وقت سجلت فيه الاحتياطيات الدولية ارتفاعا، وحقق ميزان المدفوعات فائضا كليا خلال السنة المالية الأخيرة، وهو ما يطرح تساؤلات حول العوامل المؤثرة في حركة سعر الصرف، والعلاقة بين موارد النقد الأجنبي والالتزامات الخارجية والطلب المحلي على الدولار.
كما ارتفع سعر الدولار في سوق العقود الآجلة غير القابلة للتسليم (NDF)، إذ أظهرت بيانات نقلتها وكالة رويترز في 28 أكتوبر 2026، وصول سعر الدولار في العقود لمدة 3 أشهر إلى 58.32 جنيه، و60.38 جنيه للعقود لمدة 6 أشهر، و62.41 جنيه لمدة 9 أشهر، قبل أن يبلغ 64.36 جنيه في العقود لمدة 12 شهرًا. وبالمقارنة مع سعر الدولار الفوري الذي دار حول 56.17 جنيه في البنوك خلال الفترة نفسها، يزيد السعر الآجل لمدة عام بنحو 8.19 جنيه، بما يعادل قرابة 14.6%.
وتزامن تراجع الجنيه مع تصاعد حالة عدم اليقين المرتبطة بالتطورات الإقليمية، وانعكاساتها على توجهات المستثمرين الأجانب، خصوصا حائزي أدوات الدين الحكومية. وربطت وكالة رويترز التراجع الحاد للعملة في 26 أكتوبر، بمخاوف الأسواق المرتبطة بالتطورات السياسية والعسكرية في المنطقة، وبالتصويت البرلماني بشأن تفويض القوات المسلحة بتقديم دعم دفاعي للسعودية إذا طلبت الأخيرة ذلك.
وقد دافع محافظ البنك المركزي حسن عبد الله، عن سياسة سعر الصرف المرن، واصفا إياها بأنها خط الدفاع الأول أمام الصدمات الخارجية، ومؤكدا أن توحيد سوق الصرف أهم من استهداف مستوى محدد للعملة.
وعلى صعيد السياسة النقدية، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي أمس الخميس رفع أسعار الفائدة الأساسية بمقدار 100 نقطة أساس، لتصل إلى 20% للإيداع لليلة واحدة و21% للإقراض، في أول زيادة منذ مارس 2024. ويستهدف القرار، وفق توجهات البنك المركزي المعلنة، التعامل مع المخاطر المحيطة بمسار التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار.
وقد أشار البنك إلى أن تطورات الأوضاع الخارجية وتقلبات أسعار السلع والطاقة تمثل عوامل مؤثرة في تقييم المخاطر المستقبلية.
وتوضح بيانات التضخم أن المعدل السنوي للتضخم العام في المدن انخفض إلى 13.9% في سبتمبر 2026، مقابل 14.5% في أغسطس، كما تراجع التضخم الأساسي إلى 14.1% مقابل 14.9% في الشهر السابق. غير أن الأسعار سجلت ارتفاعا شهريا بنسبة 1.3% في سبتمبر، مقابل 0.1% في أغسطس، وهو ما يوضح أن تراجع المعدل السنوي لا يعني توقف الزيادة الشهرية في الأسعار، كما أن تغيّر سعر الصرف قد ينعكس على تكلفة الواردات ومستلزمات الإنتاج، ومن ثم على مستويات الأسعار المحلية.
وفيما يتعلق بمصادر النقد الأجنبي، سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج تدفقات قياسية بلغت 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، بزيادة 29.6% مقارنة بنحو 36.5 مليار دولار في السنة المالية السابقة. كما أعلن البنك المركزي في 13 أكتوبر أن التحويلات خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 بلغت نحو 33.9 مليار دولار، بزيادة 27.2% عن الفترة المقابلة من العام السابق، فيما سجلت تحويلات أغسطس وحده نحو 4.2 مليار دولار. وتؤكد هذه البيانات استمرار التحسن في أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.
وعلى مستوى ميزان المدفوعات، أعلن البنك المركزي في 12 أكتوبر أن السنة المالية 2025/2026 انتهت بتحقيق فائض كلي قدره 2.8 مليار دولار، رغم تسجيل الحساب الجاري عجزا بلغ 22.5 مليار دولار، وذلك بالتزامن مع ارتفاع صافي التدفقات الداخلة للحساب الرأسمالي والمالي إلى 23.2 مليار دولار. وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة عند تحليل سوق الصرف؛ إذ توضح أن الفائض الكلي تحقق بفضل التدفقات الرأسمالية والمالية التي عوّضت عجز المعاملات الجارية، وهو ما يجعل التمييز بين مصادر النقد الأجنبي المختلفة أمرا ضروريا عند تقييم قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته الخارجية.
وفي المقابل، بلغ صافي الاحتياطيات الدولية 57.35 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2026، مقابل نحو 57.2 مليار دولار في نهاية أغسطس، وفق إعلان البنك المركزي. ويعكس هذا المستوى استمرار ارتفاع الاحتياطيات، التي تمثل أحد عناصر دعم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية ومواجهة التقلبات في تدفقات النقد الأجنبي.
أما تقديرات صندوق النقد الدولي، الواردة في تقرير المراجعة السابعة الصادر في أغسطس 2026، فتشير إلى أن الاحتياجات التمويلية الخارجية لمصر خلال السنة المالية 2025/2026 قُدرت بنحو 32.7 مليار دولار، مقابل مصادر تمويل متوقعة بنحو 25.2 مليار دولار، مع فجوة تمويلية مقدرة بنحو 6.6 مليار دولار(الصندوق يعرض بند السهو والخطأ (+0.9) منفصلا). وقدر الصندوق عجز الحساب الجاري بنحو 19.6 مليار دولار، وأقساط القروض العامة والخاصة بنحو 9.9 مليار دولار. وهذه الأرقام تعبر عن تقديرات الصندوق السابقة، بينما أظهرت النتائج الفعلية اللاحقة التي أعلنها البنك المركزي عجزا للحساب الجاري بلغ 22.5 مليار دولار.
وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن حركة سعر الصرف تتأثر بمجموعة من المتغيرات المتداخلة، تشمل تدفقات الاستثمار، والالتزامات الخارجية، وحركة التجارة، والتحويلات، وإيرادات السياحة وقناة السويس، إلى جانب التطورات الجيوسياسية. كما أن ارتفاع الاحتياطيات وتحقيق فائض كلي في ميزان المدفوعات لا يعنيان بالضرورة ثبات سعر الصرف، لأن الفائض المحقق يتأثر بطبيعة التدفقات الداخلة ومدى استمراريتها، في حين يظل الطلب على النقد الأجنبي مرتبطا باحتياجات الاستيراد وسداد الالتزامات الخارجية.
ومن ثم، فإن متابعة مسار الجنيه خلال الفترة المقبلة ستتطلب النظر إلى أكثر من مؤشر، وفي مقدمتها تطور ميزان المدفوعات، وحجم التدفقات الاستثمارية، واستمرار نمو التحويلات، وحصيلة الصادرات والسياحة وقناة السويس، فضلا عن تطورات التضخم والسياسة النقدية. وتظل هذه المؤشرات -مجتمعة- الأساس الأهم لتقييم تطورات سوق النقد الأجنبي ومدى قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته التمويلية والحفاظ على استقرار الأسعار.








