منوعات

العقاد سياسياً.. انحاز للأمة ودستورها فسجنه الملك فؤاد

«إنك ستكون – بمشيئة الله- كاتبا كبيرا في المستقبل، وربما صرت من أعلام هذه الأمة؛ فاحرص دائما على الاستزادة بما يُبْلغُك المنزلة التي تستحقها». بهذه العبارة توّج الإمام محمد عبده الفتى «عباس» ابن الرابعة عشرة، في ربيع عام 1903، وكان «العقاد» – الذي نمر هذه الأيام بذكرى رحيله – يستعد لمغادرة المدرسة الوحيدة التي انتظم فيها في حياته بعد حصوله على الشهادة الابتدائية.. لم يكن من اليسير عليه استكمال دراسته رغم تفوقه ونبوغه؛ فلقد حال ضيق ذات اليد دون انتقاله إلى القاهرة؛ إذ كانت أسوان تخلو من مدارس المرحلة التجهيزية.. لكن صدى العبارة ترك أثره الفعال في نفس الفتى؛ فانكب على القراءة ينهل من معينها ما يُشبع به نهمه  إلى المعرفة.. كان يقرأ كل ما يقع في يده من كتب منفقا كل ما يحصل عليه من مال في شراء الكتب أو استعارتها.. لم تقتصر قراءاته على المؤلفات العربية؛ فلقد أجاد العقاد الإنجليزية والفرنسية مبكرا؛ فخبر آدابهما واستقى فنونهما من المنابع الصافية دون الوقوع في براثن الترجمات وما كان يحدث بها من شناعات آنذاك.

الإمام محمد عبده، عباس محمود العقاد

بين الوظائف.. والصحائف

في مجلس الشيخ «أحمد الجدّاوي» أحد تلاميذ السيد «جمال الدين الأفغاني» عرف «العقاد» صغيرا أهمية تلقي العلم على يد شيخ متمكن؛ فكم من قارئ ضل بـ «التصْحِيف» فغرق في أوهام ظنها عين الحقيقة!.

قبل أن يتم عامه السادس عشر يُعين «عباس» موظفا بمدينة قنا، وينقل بعد عامين لمديرية الشرقية؛ مراجعا بالقسم المالي، وفي هذا العام يموت والده؛ فيقرر الانتقال إلى القاهرة.

رأى العقاد في الوظيفة أغلالا تقيده، وعوائق تحول بينه وبين ما يبتغي؛ فتحرر منها واتجه للعمل الصحفي، وكان أول من عمل معهم في هذا المجال العلامة «محمد فريد وجدي» الذي كان يصدر وقتها جريدة «الدستور» فعمل معه العقاد منذ العدد الأول وحتى العدد الأخير، وكان العمل مقتصرا عليهما فقط، فلقد كان العقاد على حداثة سنه بارعا في التحرير  والترجمة والتدقيق اللغوي إلى جانب بعض الأعمال الإدارية.

محمد فريد وجدي، جمال الدين الأفغاني

كانت «الدستور» صوتا وطنيا مدويا يُسمع من به صمم.. لا تعترف بالخطوط الحمراء، ولا تدرك معنى التجاوزات إلا فيما يتعلق بحرية الأوطان واستقلالها.. فكان الإغلاق مصيرها.. فيضطر «العقاد» للعودة للعمل موظفا بوزارة الأوقاف؛ لكن صبره على «الروتين» الوظيفي نفذ سريعا، فالتحق بـ «المؤيد» محررا.. ثم يعمل بالتدريس لفترة؛ لكن ذلك لم يرقه، فيعود إلى الصحافة، محررا بجريدة الأهالي ثم الأهرام وقد أتم الثلاثين.

العيب في الذات الملكية

وتشتعل البلاد بالثورة إثر نفي «سعد باشا» ورفاقه.. فيخوض العقاد غمار العمل السياسي؛ ليصير من أهم كُتَّاب الحركة الوطنية، وينضم لحزب الوفد، وتستغرقه المعارك السياسية والحزبية، منحازا لزعيم الأمة «سعد زغلول» مدافعا عن أسلوبه في إدارة المفاوضات مع المحتل، وكان هذا الأسلوب محل انتقاد الكثيرين.. ما جرَّ على «العقاد» عداوات كثيرة، وقد ظل العقاد وفديا حتى النخاع إلى أن انفصمت عُرى علاقته بالحزب عام 1935، إثر اصطدامه بالنحاس باشا الذي رفض «العقاد» كثيرا من مواقفه السياسية، وانتقدها علانية.

مصطفى النحاس، عباس العقاد، طه حسين

«إنَّ الأمة على استعداد لأنْ تسحقَ أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه»، قالها العقاد مدوية تحت قبة البرلمان، قالها انتصارا لتاريخ حافل بنضالات الرجال من أجل دستور يُحترم ولا يكون عُرضة لأهواء الحاكم يقلبه كيف يشاء، قالها العقاد وهو يعلم أنه سيدفع ثمنها غاليا، لكنه رأى أن السكوت على ما يريد الملك فؤاد فعله من إسقاط لعبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسؤولة أمام البرلمان- جريمة في حق الوطن لا يمحوها الزمن.

الملك فؤاد

ودفع العقاد الثمن حبسا لما يزيد عن تسعة أشهر بتهمة العيب في الذات الملكية، كتب أثناءها كتابه الرائع «عالم السدود والقيود» الذي يكشف فيه عن ذلك العالم المنعزل الرهيب الذي تختلط فيه المأساة بالملهاة في تناغم عجيب.. بُعَيْدَ ذلك ضعفت علاقة «العقاد» بالسياسة رويدا رويدا؛ حتى انقطعت بشكل نهائي.

مدرسة الديوان

في عام 1921، يُصدر العقاد وصديقه المازني كتابهما «الديوان في الأدب والنقد» الذي وصفه  العقاد قائلا: «وأوجز ما نَصِفُ به عملنا -إن أفلحنا فيه- أنَّه إقامة حد بين عهدين لم يبق ما يُسوِّغ اتصالهما والاختلاط بينهما، وأقرب ما نميز به مذهبنا أنَّه مذهب إنساني مصري عربي». كان ذلك تأسيسا لمدرسة الديوان التي خاض «العقاد» من خلالها معارك حامية خروجا على التقليد، وطلبا للتحرر من أسر القوالب الجامدة، إذ وجهت المدرسة سهامها للشعر التقليدي فطالت شوقي وحافظ والبارودي وآخرين.. كما دعا إلى تجديد الخيال والصورة الشعرية والتزام الوحدة العضوية في البناء الشعري. وكان من أشهر معاركه الأدبية تلك التي خاضها ضد الأديب والمفكر «مصطفى صادق الرافعي».

لم يسلم من هجوم «العقاد» ونقده اللاذع وتهكمه الشديد أحد من مجايليه من الشعراء والأدباء؛ حتى الدكتور «طه حسين» الذي بايع «العقاد» بإمارة الشعر بعد موت شوقي وحافظ قائلا: «ضعوا لواء الشعر في يد العقاد، وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء، فقد رفعه لكم صاحبه».

صالون العقاد

وقد تعددت مؤلفات العقاد حتى بلغت نحو مئة مؤلف في الفكر والأدب والشعر والنقد والتراجم، هذا بالإضافة إلى آلاف المقالات المنشورة في الكثير من المجلات والدوريات وتعتبر سلسلة العبقريات من أشهر كتب العقاد التي ترجمت إلى الفارسية، والأردية، والملاوية وكذلك مجموعته في الدفاع عن الإسلام ودحض أباطيل خصومه ومن أشهرها كتابه «التفكير فريضة إسلامية» وكتاب «الله» الذي تمت ترجمته إلى الفارسية أيضا، كما تُرجمت بعض كتبه إلى الألمانية والفرنسية والروسية.

وقد لقي العقاد في حياته أنواعا من التكريم والتقدير في مصر والعالم العربي، فاخْتير عضوا في مجمع اللغة العربية بمصر عام1940، ويعتبر من الرعيل الأول من أبناء المجمع، كما اخْتير عضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ونظيره في العراق، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 1959، ولكنه رفض تسلمها، كما رفض الحصول على الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة.

و اشتهر العقاد بصالونه الأدبي الذي كان يعقده صباح الجمعة من كل أسبوع، وكان مقصدا لتلاميذه ومحبيه ورفاق دربه من الأدباء والشعراء، وكان النقاش يدور دون ترتيب مسبق حول قضايا العلم والأدب والتاريخ، وكان الأستاذ يفسح الوقت للجميع لطرح الأسئلة وتبادل الرأي حول العديد من القضايا الفلسفية، وقد اعتبر صالون العقاد مدرسة بحق تخرج فيها العديد من أعلام الرأي والفكر في مصر والعالم العربي، ويعتبر كتاب «في صالون العقاد كانت لنا أيام» لأنيس منصور من أفضل ما كتب عن هذا الصالون.

وظل أدب العقاد وفكره ميدانا خصبا للعديد من الأطروحات والرسائل الجامعية التي تناولته شاعرا وناقدا ومؤرخا وكاتبا، كما أطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر اسمه على إحدى قاعات محاضراتها.

لقد عاش العقاد حياته راهبا في محراب الفكر والأدب مدافعا عن كل مبدأ قويم؛ منحازا لأمته مسخِّرا قلمه الرشيق وبيانه الناصع  وأسلوبه الفريد في الزود عن حياض الدين والقيمة الإنسانية، وظل عظيم الإنتاج، لا يمر عام دون أن يثري المكتبة العربية بكتاب أو أكثر في شتى فروع العلم والمعرفة حاملا لواء التجديد في الأدب والشعر كما في ديوانه عابر سبيل الذي أدخل من خلاله موضوعات جديدة لم تكن معروفة من ذي قبل في الشعر العربي؛ إذ كان رأيه أن حياة الإنسان اليومية وما تزخر به من مواقف كلها تصلح بلا استثناء كموضوع للشعر.

 

وفي الثاني عشر من شهر مارس سنة 1964 يلقى العقاد ربه راضيا مرضيا بعد أن قدم لأمته أجل خدمة، وترك للأجيال إرثا عظيما ما زال ينتفع به إلى يوم الناس هذا.. رحمه الله.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: