ثقافة

ثورة البشموريين.. صفحة من نضال المصريين ضد الظلم

في عام1998، صدر للروائية “سلوى بكر” رواية بعنوان “البشموري” مع عنوان إضافي هو “رواية الروايات” وتتناول الرواية أحداث ما عرف بثورة البشموريين من خلال رحلة خادم الكنيسة “بدير” الذي يصحب الشماس “ثاونا” في مهمة كممثلين للكنيسة لدعوة الثوار للعدول عن قتال الجند العباسيين، والدخول في طاعة الخليفة من جديد إيثارا للسلامة وحقنا للدماء.. وبالرغم من أن الرواية من أروع الروايات، ومصنفة ضمن أفضل مئة رواية عربية إلا أنها لم تتطرق إلى كثير من النقاط التي اعتبرت مثار خلاف بين المؤرخين. منها مثلا: أين توجد “بشمور” تحديدا؟ وهل البشامرة هو أنفسهم (البشروديين)؟ وما حقيقة أن البشموريين ينحدرون من أصول يونانية؟ والسؤال الأهم: هل كانت ثورة البشموريين ثورة أقباط يعني ذات بعد ديني؟ أم كانت ثورة اجتماعية شارك فيها المسلمون والأقباط؟ وأخيرا لماذا كانت هذه الثورة هي خاتمة ثورات المصريين ضد ولاة الحكم الإسلامي؟

يذهب كثير من المؤرخين إلى أن “بشمور” هي المنطقة الواقعة في شمال مصر بين بحيرتي المنزلة والبرلس، تحديدا ما يقع بين شرق فرع دمياط والدقهلية عند ناحية الجمالية والمطرية.. وهي ليست “البشرود” التي من المرجح أن تكون ناحية كفر الشيخ الحالية.

خريطة لبيري رئيس تظهر مصب نهر النيل مع مدينتي رشيد والبرلس على كل جانب
خريطة لبيري رئيس تظهر مصب نهر النيل مع مدينتي رشيد والبرلس على كل جانب

ونظرا للطبيعة القاسية لبشمور- إذ كانت عبارة عن مساحات تغطيها المستنقعات ولا يوجد بها من الأرض ما يصلح للزراعة- فقد كانت ملجأ للمناوئين للسلطات على مدى زمن طويل حتى عُرفت بأرض الثورات، ويرجح أن أول ثورة قامت بها كانت نحو عام 127م ضد الحكم الروماني.. وقد امتدت حتى كاد الثوار أن يستولوا على الإسكندرية وكان ذلك في عهد الإمبراطور “ماركوس أوريليوس”.

وكانت الثورة قد اشتعلت في “بشمور” في نهاية حكم الأمويين على عهد البطرق بابا خائيل المتوفى ربيع 767م. وانتهت الثورة بزوال حكم الأمويين ودخول العباسيين مصر واستتباب الأمر لهم بمعاونة الثوار.. وهناك خلط أيضا بين هذه الثورة والثورة البشمورية الكبرى التي اشتعلت بسبب السياسات المجحفة التي اتبعها الوالي “عيسى بن منصور” ورجاله، زمن الخليفة العباسي المأمون، وهي التي نتناولها في هذا الموضوع.

يذهب كثيرون إلى أن البشامرة كانوا أشد أهل مصر بؤسا.. إلا أنهم –رغم ذلك- كانوا أولي بأس، وذلك ربما يعود لاختلاط أصولهم بين العرب والروم والقبط، فلا صحة إذن للزعم القائل بأن أصولهم ترجع إلى جماعة من البحارة اليونانيين نزلوا بالشاطئ المصري واستوطنوا شمال البلاد.

وكان أبو العباس الملقب بالسفاح قد بويع كأول خلفاء الدولة العباسية في ربيع الأول من عام132هـ قبل أن ينكسر جيش الأمويين المقدر بمئة وخمسين ألفا في الموصل على يد عبد الله بن علي عم المنصور، وكان من نتيجة تلك الهزيمة النكراء أن فر آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد إلى الشام، ومنها إلى فلسطين.. قبل أن يضطر إلى الفرار إلى مصر بعد أن سمع بدخول العباسيين دمشق.

ويروى أنه لجأ إلى كنيسة “أبوصير” بالفيوم، وأن رؤوس القبط دلّوا عليه بعد أن أخذوا عهدا من العباسيين أن يحكموا بالعدل، وألا يغالوا في فرض الضرائب، وتقدير الجزية.

بعد قتل مروان التزم العباسيون بما عاهدوا عليه لثلاث سنوات.. لكن الولاة غلبهم الطمع فضاعفوا الضرائب كما يقول “ساويروس بن المقفع” وأعادوا تقدير الجزية المفروضة مما أحدث اضطرابا هائلا في البلاد التي لم تكن أحوال أهلها المعيشية تسمح بذلك، فتعددت البؤر الثورية وانتشر التمرد خاصة في شمال مصر، وكان الولاة يرسلون الجند إلى تلك الأصقاع فيعملون في الناس آلة القتل حتى تخمد نار الثورة، لكنها ما تلبث أن تشتعل من جديد.

أبو العباس السفاح

ولنحو من سبعين سنة لم تهدأ ثورات المصريين على البغاة من ولاة بني العباس؛ إلا لتثور مجددا.

ويروي المقريزي أنه في جمادى الأولى سنة 216هـ انتفض أسفل الأرض بأسره (الوجه البحري) عرب البلاد و قبطها.. والسبب ما أوقعه بهم غيث بن سعيد، عامل الوالي عيسى بن منصور على إقليم بشمور الواقع بين فرعي النيل أقصى شمال مصر، وقد عُرف الرجلان بالظلم والإفراط في إسالة الدماء، والتعلل بأوهى الأسباب لهدم الكنائس، والدور ومصادرة الأموال، وربط المصريين بالسلاسل، وتسخيرهم في الأعمال الشاقة.

ومما يؤكد أن الثورة كانت اجتماعية شارك فيها المصريون من أهل شمال البلاد وليست ثورة أقباط كما يحلو للبعض ترديده، ما أورده أبو عمر محمد بن يوسف الكندي المصري (283- 350هـ) في كتابه “كتاب الولاة وكتاب القضاة” إذ يقول: “ثم انتفضت أسفل الارض كلها عربها وقبطها(3 في جمادى الاولى سنة ست عشرة وأخرجوا العمال وخالفوا الطاعة وكان لسوء سيرة العمال فيهم، ثم قدم الأفشين من برقة للنصف من جمادى الآخرة سنة ست عشرة فأقام بالفسطاط لأن النيل في مَدِّه قد حال بينه وبينهم، ثم خرج الأفشين وعيسى بن منصور جميعا فعسكروا في شوال سنة ست عشرة فحاربه أهل تنو وتمي وقد اجتمعوا بأشليم وعقدوا عليهم لابن عبيدس الفهري من ولد عقبة بن نافع فواقعهم الأفشين بأشليم فهزمهم وأسر منهم كثيرا فقتلهم ورجع عيسى بن منصور إلى الفسطاط ومضى الأفشين إلى الحوف ففل جماعتهم”.

كتاب الولاة وكتاب القضاة

لم يكتف الوالي بما فعله عامله بأهل إقليم بشمور، بل نزل الإقليم بنفسه، وألقى القبض على سبعين رجلا أودعهم السجن بعد أن أمر بهدم منازلهم ومصادرة كافة ممتلكاتهم.

كان لطبيعة أهل الإقليم دور في تصاعد وتيرة الأحداث فكما يقول عنهم المقريزي أنهم “كانوا أكثر توحشا وتعنتا من سائر سكان مصر” وربما يرجع ذلك لاختلاط الأعراق فيهم بين العرب والقبط والروم، كما أنهم لم ينسوا أنهم ساعدوا بني العباس في القضاء على الأمويين عندما كونوا جيشا بقيادة “مينا بن بكيرة” دحر جيش الأمويين وفك حصارهم، وكان من العوامل المؤثرة أيضا طبيعة نشاطهم الاقتصادي إذ عملوا في صناعة ورق البردي، واحترفوا الصيد، ولم يكن لهم كبير اهتمام بالزراعة التي تورث الركون والصبر على الضيم.

ولقد فطن ولاة بني العباس لتلك الطبيعة الثائرة عند البشموريين، فأمعنوا في إذلالهم، وكسر شوكتهم، كما شاع بين جند المتولي الاعتداء على نساء البشموريين وهتك أعراضهن.

ويروي “ساويروس بن المقفع” أن العرب عاملو البشموريين بصورة غاية في القسوة “فقد ربطوهم بسلاسل إلي المطاحن وضربوهم بشدة ليطحنوا الغلال كما تفعل الدواب سواء بسواء، فاضطر البشموريون أن يبيعوا أولادهم ليدفعوا الجزية ويتخلصوا من آلام هذا العذاب” ولكن ذلك أيضا لم ينجهم من النكال الذي كان واقعا بهم؛ فعزموا على الثورة مستغلين طبيعة الإقليم حيث تنتشر المستنقعات التي تتخللها الطرق الضيقة التي لا يحسن معرفتها والسير فيها سواهم.. وكانت أولى الخطوات إعلان الثورة الامتناع عن أداء الضريبة، وإعطاء الجزية.

ساويرس بن المقفع

يقول ابن إياس الحنفي “وما إن مر العام الثامن عشر بعد المائتين للهجرة إلا وكانت أغلب البلاد قد آل أمرها إلى الخراب، وقد عانى أهلها العذاب، لما أنزله عيسى بن منصور بهم من نكال، فقل الزرع وجف الضرع وولى الخير”.

فثار المصريون وأعلنوا العصيان وطردوا العمال واحتشدوا بالآلاف، وساروا لمقاتلة ابن منصور وجنده، وكان قد تجهز لصدهم إلا أنه عندما علم بأعدادهم خاف وتراجع عن القتال، وتقهقر بمن معه.. فزاد ذلك من حماسة المصريين فتقدموا إلى الفسطاط واستولوا عليها، وطردوا منها عيسى وصاحب الخراج على أقبح وجه.

وكان المأمون قد ولّى أخاه المعتصم على مصر، لكن الأخير لزم دار الخلافة تحسبا لأي طارئ، وأوكل على مصر عمر بن الوليد؛ لكن تعاظم أمر البشموريين دفع بالخليفة المأمون إلى إرسال المعتصم على رأس جيش قوامه أربعة آلاف مقاتل مُني بهزيمة منكرة، فأتبعه المأمون بجيش آخر بقيادة “الأفشين” التركي، فنال الهزيمة أيضا.. وعندما بلغت أنباء الهزيمة المأمون جن جنونه وقرر أن يقود جيشا بنفسه لإخماد تلك الثورة التي تتعاظم نيرانها يوما بعد يوم حتى امتدت للوجه القبلي، ومما دفع المأمون إلى سرعة التحرك أيضا ما ورده من أنباء عن تحركات لبقايا الأمويين تحرض على إنهاء حكم بني العباس في مصر؛ لتكون نواة لدولة أموية جديدة.

تؤكد عديد من المصادر أن جيش المأمون مُني بعدة هزائم جعلت المأمون يلجا إلى الخديعة والحيلة؛ فاستقدم الأنبا “ديونيسيوس” البطريرك الأنطاكي، ثم دعا الأنبا يوساب الأول بطريرك الأقباط واتبع مع الاثنين أساليب متعددة ما بين الترهيب والترغيب حتى أصدرا مرسوما رسميا يدعوان فيه الشعب إلى الخضوع للدولة وولاتها، ونبذ الثورة التي هي مروق عن نهج المسيحية الناهي عن مقاومة “السلاطين والرياسات”.

اعتبر المرسوم ضربة قوية وجهت للثورة فبدأ المسيحيون بالتخلي عن مساندة البشموريين ، وتبعهم المسلمون، ووجد الثوار أنفسهم في مواجهة غير متكافئة مع جيش المأمون، ومع ذلك لم ييأسوا وصمدوا صمودا إعجازيا، وقدموا بطولات بلا نظير.. لكن الهزيمة وقعت بهم في النهاية، فكان الانتقام منهم مروعا إذ هدمت دور البشموريين، وكنائسهم، وحكم على الكثير من الرجال بالقتل والحرق أحياء، وعلى نسائهم وأطفالهم بالسبي، كما حكم بالنفي على عدد كبير من زعمائهم وقادتهم، ويروي المؤرخ القبطي “ساويروس بن المقفع” نهاية تلك المأساة فيقول “…وأخيراً رضخ الأبطال للأمر وسافروا على سفن إلى أنطاكية حيث أرسلوا إلى بغداد وكان يبلغ عددهم ثلاثة آلاف، مات معظمهم في الطريق أما الذين أسروا في أثناء القتال فقد سيقوا كعبيد ووزعوا على العرب، وبلغ عدد هؤلاء خمسمائة، أرسلوا إلى دمشق وبيعوا هناك”.

وعندما تولى المعتصم الخلافة سنة 833 م أمر بالإفراج عمن بقي على قيد الحياة من البشموريين في سجون المأمون، فعاد بعضهم إلى مصر، وبقي آخرون في بغداد.

وتنفي الكاتبة سلوى بكر أن الثورة البشمورية كانت ثورة مسيحية ضد الحكم الإسلامي قائلة: “ثورة البشموريين لم تكن ثورة دينية كما يزعم البعض؛ بل هي ثورة اجتماعية كان سببها تزايد ضريبة الأرض الزراعية، لأن العرب عندما فتحوا مصر لم يكن لهم دراية بالنظم الزراعية المعمول بها منذ عهد الفراعنة حيث كانت غلة الأرض توزع على أربعة أنصبة.. ربع للفرعون وربع للمعبد، وربع للفلاح وربع لإعادة الإنفاق على العمل الزراعي، وعندما جاء العرب لم يطبقوا هذا النظام وكانوا يطالبون بزيادة غلة الأرض وزيادة الضريبة الزراعية ومن هنا أصبح هناك إجحاف بالفلاح الفقير، وثورات الأقباط بدأت منذ عصر الولاة وحتى العصر العباسي الأول وكانت هذه الثورات تخمد وتقمع حينا لكنها كانت تعود حينا آخر وتتجدد حتى جاء الخليفة المأمون في القرن التاسع الميلادي وقمع هذه الثورة لأنه كان يرى أنها تهدد نظام الحكم العربي في مصر”.

سلوى بكر
سلوى بكر

ويشير الكاتب محمود السعدني في كتابه “مصر من تاني” إلى ثورة البشموريين دون ذكر اسمها مُرجعا سبب فشلها إلى أنها كانت بلا قيادة، بعد استشهاد قائدها “أحمد البنهاوي” في بداية المواجهات مع الجند العباسي.. والطريف أن “السعدني” ينسب الفضل في التحضير لتلك الثورة والدعوة لها إلى السيدة نفيسة رضي الله عنها وإلى الإمام الشافعي الذي استدان أربعين ألف دينار ليعطيها للبنهاوي لإنفاقها في وجوه الدعوة والتحريض على الثورة وإعداد وتجهيز المشاركين فيها من كافة طوائف الشعب.. وهذا ما لم نجد عليه دليلا واحدا في كافة ما اطلعنا عليه من مراجع، ناهيك أن الشافعي مات قبل اندلاع الثورة بنحو عشر سنين.. ومن الجائز أنه طرف من السير الشعبية التي تبالغ في نسبة الأعمال الجليلة إلى أصحاب المكانة في نفوس المصريين.

محمود السعدني
محمود السعدني

اللافت للنظر في أمر تلك الثورة المنسية أن أعداءها قد تكالبوا عليها حتى بعد انطفاء جذوتها، فبين متبرئ منها، ومدع لها ضاعت كثير من الحقائق المتعلقة بها، لكن الأكيد أن ثورة البشموريين هي ثورة مصرية كبرى شارك فيها قطاع كبير من المصريين، وقد امتدت لتشمل الوجه البحري بكامله، وكذلك مناطق واسعة من الوجه القبلي، وكادت تلك الثورة العظيمة أن تحقق أهدافها؛ لولا التحايل والخداع واستخدام الدين في غير ما جُعل له.. وكأنه قدر مصر والمصريين الذي لا فكاك منه!.

المراجع:

1- البشموري، رواية، سلوى بكر، إصدارات مكتبة الأسرة،2005م.

2- الثورات الشعبية في مصر الإسلامية، د. حسن نصار، الهيئة العامة لقصور الثقافة،ط2، 2002م.

3- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1،1996م.

4- بدائع الزهور في وقائع الدهور، ابن إياس الحنفي، الهيئة العامة للكتاب،1984م.

5- تاريخ بطارقة الكنيسة المصرية، ساويروس بن المقفع، مكتبة مدبولي، 2006م.

6- ثورة البشمور، بحث علمي، د. وسيم عبود عطية، جامعة الكوفة، كلية التربية للبنات

7- كتاب الولاة وكتاب القضاة، أبو عمر محمد بن يوسف الكندي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2003 م.

8- مصر من تاني، محمود السعدني، دار اخبار اليوم، 2007م.

9- هوامش الفتح العربي لمصر، سناء المصري، مختارات الكرمة، ط3، 2017م.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock