رؤى

ليلى خالد.. فلسطين مجددًا إلى دائرة الضوء

في أبريل 1948، غادرت ليلى خالد مدينة حيفا التي ولدت فيها قبل أربع سنوات.. كانت حيفا واحة للتعايش السلمي بين أصحاب الديانات المختلفة إلى أن جاء الصهاينة ليحولوا المدينة إلى النقيض تماما.. كان مقصد الأسرة مدينة صور بلبنان، تلك المدينة التي كان السفر إليها في الإجازة السنوية عيدا لكل أفراد الأسرة.. أما هذه المرة فقد كان الحزن يغطي الوجوه.. فتلك المرة ليست ككل مرة.. إنها بداية رحلة التغرب والشتات.. وليس ثمة أمل كبير في العودة.. تمسك الأب بالبقاء لحماية المنزل والمقهى الذي يملكه.. لكنه اضطر للمغادرة بعد أيام قليلة، عقب استيلاء المعتدين عليهما.

ليس بيتنا .. ليست حديقتنا

الحياة في صور لا تشبه الحياة في حيفا.. فمنذ الأيام الأولى كانت تحذيرات الأم تتوالى بضرورة الالتزام الشديد بتعليماتها.. لسنا في بيتنا.. ترسخت تلك العبارة في عقل الطفلة ليلى بطريقة قاسية.. ذات ظهيرة كانت تلعب مع إخوتها في حديقة المنزل الذي استضافهم فيه الأقرباء.. شعر الأطفال بالجوع، فأخذوا يقطفون البرتقال من أشجار الحديقة ويأكلونه.. وعندما رأتهم الأم عنفتهم بشدة قائلة: ليس برتقالنا. ليست حديقتنا.. نحن لسنا في بيتنا.. كانت ليلى تُغص كلما رأت برتقالا بعد هذا اليوم؛ حتى بعد مرور سنوات طويلة.. لم تستطع بعد ذلك تذوقه أبدا.. صار محرما عليها بحكم القسوة المفرطة التي عصرت قلب الطفلة في تلك الظهيرة.. لكن شيئا ما كان من القوة بمكان ولد في تلك اللحظة في قلب الصغيرة.. سأعيش لأعود لأرضي.. ستكون حياتي كلها موهوبة لهذا الهدف لا سواه.

ليلى خالد

مبكرا جدا انخرطت ليلى في العمل السياسي، فقد كان إخوتها الكبار أعضاء في حركة القوميين العرب.. جذبتها تلك النقاشات التي كانت تسمعها باستمرار في البيت.. دون الخامسة عشرة تصير عضوة في الحركة.. ليس هذا فحسب، بل كانت تكلف بمهام نقل الطعام للمقاتلين في الحرب التي اشتعلت بلبنان عام 1958.

التحقت ليلي بالجامعة الأمريكية ببيروت بدعم مادي من أخيها الذي كان يعمل بالكويت.. وانتظمت في الدراسة لفترة، دون ترك العمل الوطني.. لكن وفاة والدها عام1966، وفقد أخيها لعمله وعودته وأسرته، يضطرها لقبول وظيفة مدرسة بالكويت.. تلك الوظيفة التي ستستمر فيها ليلى لمدة ست سنوات.. رغم صعوبة الظروف واختلاف البيئة بالكلية.. لكن التزامها نحو أمها وإخوتها  حال دون رجوعها.

تأسيس الجبهة الشعبية وانضمام ليلى إليها

انبثقت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من رماد حرب الأيام الستة؛ بعد إعادة النظر بشأن مواجهة العدو في ساحات القتال في ظل تفوقه العسكري المعتمد على الدعم غير المحدود الذي تقدمه أمريكا وبعض الدول الأوروبية للكيان..  فكان الخيار نقل القتال إلى ساحات أخرى أكثر جدوى، تستطيع الجبهة من خلالها إعادة القضية الفلسطينية إلى بؤرة اهتمام العالم.. وخاصة الغرب.

لم تحطم حرب الأيام الستة عام 1967،  حلم الفلسطينيين في أن تكون لهم دولة مستقلة في وقت قريب فقط، بل حطمت أيضا ثقتهم في الدول العربية التي ساهمت في إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، لكن الهزيمة جاءت بشكل حاسم من قبل العدو في ساحة المعركة، لتغير العديد من المفاهيم التي كانت مستقرة.

تحركت المنظمة نحو استقلال أكبر عن الدول العربية، وتشكلت العديد من الجماعات المسلحة الجديدة التي عملت دون قيود في ظل منظمة التحرير الفلسطينية.. وفي 11 ديسمبر 1967، تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على يد جورج حبش، وهو طبيب كان يبلغ من العمر 42 عاما آنذاك.. وجورج حبش الملقب بالحكيم، هو فلسطيني من أصول أرثوذكسية يونانية، اضطرت عائلته إلى الفرار من منزلهم خلال حرب عام 1948.. أما الشيء الوحيد الذي كان يميز الجبهة فهو إعلانها عن أيديولوجيتها الماركسية.. اعتبرت الجبهة أن الضغط من أجل الاستقلال الفلسطيني جزء من الصراع الطبقي ضد الإمبريالية العالمية، بما في ذلك تلك القوى الغربية التي تدعم الكيان. الصهيوني

جورج حبش
جورج حبش

وأعلنت أيضا أن ارتباط المصالح الإمبريالية بوجود الكيان الصهيوني ، سيجعل من النضال ضد الصهاينة  نضالا ضد الإمبريالية.. وسعت الجبهة للتواصل مع الجماعات اليسارية المسلحة في العالم مثل: الألوية الحمراء الإيطالية، و”بادرماينهوف” الألمانية، والجيش الأحمر الياباني، ومنظمة “إيتا” الإسبانية.. و”ساندينستا” في نيكاراجوا.. وتم تكوين وحدة قوات خاصة أطلقت عليها الجبهة، وحدة “تشي جيفارا”.

لم يكن كل منتسبي الجبهة من الماركسيين.. أعداد من الشباب انضمت بهدف القيام بعمليات داخل الأرض المحتلة عن طريق التسلل من الحدود الأردنية.. كانت قد تمت بعض العمليات بالفعل من جانب منظمة التحرير؛ لكنها لم تحقق نجاحا كبيرا.

قررت ليلى الانضمام للجناح العسكري للجبهة .. وكانت مازالت تعمل بالكويت.. فطُلب منها  تجنيد عشرة مناضلين  قبل الانضمام إلى معسكرات التدريب.. لكنها استطاعت تجنيد عشرين قبل أن يسمح لها بالانضمام إلى معسكر تدريب شمال العاصمة الأردنية عمّان.. ولم تكن بمفردها بل كان معها اثنان من إخوتها.. في ظل معارضة شديدة من الأم.. ظلت ليلى لا تنام لأيام فرحة بانضمامها إلى معسكر التدريب رغم قسوة الظروف وبرودة الجو الشديدة وتعرض المعسكر للقصف الجوي من جانب طائرات العدو.. لكن كل ذلك لم يثنها عن التدرب بكل جدية لإتقان استخدام الأسلحة والمفرقعات وفنون القتال المختلفة.. حتى جاء يوم استدعائها للقاء الدكتور وديع حداد مسئول العمليات الخارجية في الجبهة.

كانت المهمة نقل بعض الأسلحة إلى لبنان، وفي بيروت كان السؤال الذي وُجه لها مجددا:: هل أنت على استعداد لتحمل التعذيب؟ هل أنت مستعدة للتضحية بحياتك في سبيل تحرير فلسطين؟ كانت الإجابة: بالقطع نعم.. فكل ذرة في خلاياها وكل نبضة في عروقها وكل خفقة لقلبها كان مطبوعا عليه هذا الجواب الحاسم.

وديع حداد
وديع حداد

العودة إلى عمان واختيارها للقيام بعملية خطف طائرة

ذهبت ليلي إلى أهلها وسلمت عليهم وطمأنتهم وأخبرتهم أنها في طريق عودتها إلى الكويت لاستلام عملها مجددا.. وفور عودتها إلى عمان.. تم استدعاؤها مجددا للقاء دكتور حداد.. الذي أخبرها دون مقدمات أنها مرشحة للقيام بعملية خطف طائرة.. تقول ليلى: كاد الموقف أن يتحول إلى مهزلة.. فلقد تخيلت نفسي وأنا أحمل طائرة فوق كتفي وأحاول الهرب بها بينما يلاحقني جمع غفير لانتزاعها مني.. فلم تكن عمليات خطف الطائرات معروفة آنذاك.. أخذت أضحك حتى لاحظ ذلك دكتور حداد قبل أن يشرع في شرح ما هو مطلوب.

عادت ليلى للتدريب المكثف على كل التفاصيل المتعلقة بالسيطرة على طائرة TWAبوينج 707 المزمع اختطافها أثناء رحلتها رقم 840 المتجهة من لوس أنجلوس إلى تل أبيب.. مرورا بروما وأثينا.. كما خضعت ليلى لتدريبات الصبر والتحمل، فحبست في شقة دون طعام أو ماء لمدة يومين!.

اهتمام دكتور حداد بالتفاصيل جعله يطلب من ليلى تغيير الملابس التي سترتديها أثناء العملية أكثر من مرة إلى أن استقر على اكثر الملابس ملاءمة للمهمة.. سافرت ليلي إلى روما في رحلة استطلاعية وحفظت كافة التفاصيل المتعلقة بالعملية على أرض الواقع.. ثم عادت إلى عمان قبل أن تغادرها بعد أيام لتنفيذ العملية بتاريخ الجمعة 29 أغسطس 1969.

تعرفت ليلى على رفيقها في العملية سليم العيساوي للمرة الأولى قبل التنفيذ في روما، وكان سليم أحد اعضاء الجبهة الشعبية.. فلسطيني من حيفا، ولكنه عاش في سوريا.. قاتل مع الفدائيين على الحدود الأردنية وتم تدريبه لاحقا على العملية.

ليلى خالد وسليم العيساوي
ليلى خالد وسليم العيساوي

صعدت ليلى والعيساوي في درجة رجال الأعمال على الطائرة ليكونا قريبين من قمرة القيادة، وبعد ثلاثين دقيقة من الطيران اقتحما القمرة مستغلّيْن فتح إحدى المضيفات لبابها، وأشهرا أسلحتهما في وجه طاقم القيادة – وكانوا ثلاثة أمريكيين-  طالبين منهم الخضوع وتنفيذ ما يصدر لهم من أوامر.

كانت الطائرة حينها تحلق فوق المتوسط قرب اليونان، فاستلمت ليلى سماعة ربان الطائرة وخاطبت برج المراقبة قائلة: “هنا رحلة الجبهة الشعبية.. فلسطين حرة عربية”، وأمرت القائد بالتوجه إلى فلسطين، في حين كان العيساوي يؤمِّن قمرة القيادة بحكم مهارته القتالية وقوته البدنية.

حاول ربّان الطائرة المناورة فوجه البوصلة نحو قاعدة عسكرية أميركية في ليبيا، لكن ليلى انتبهت لذلك بفضل التدريب الذي خضعت له في مجال الطيران، فهدّدت القائد الذي لم يجد بُدا من التوجه إلى فلسطين.

عند دخول المجال الجوي فوق الأرض المحتلة، تحرّكت مُقاتلات العدو، وأحاطت بالطائرة.. وكانت ليلى تخاطبهم: “الجبهة الشعبية.. فلسطين حرة عربية” وكان ذلك يثير غضب  المراقبين الجويين الصهاينة، فكانوا يسبّونها فترد هي عليهم وتقول: “رغم أنوفكم ستكررونها”.

وكانت ليلى تقصد بذلك القاعدة المتعارف عليها في قوانين الملاحة الدولية التي تلزم المراقب الجوي بتكرار التسمية التي تردهُ من الطائرة، لتأكيد سماعه لها وإدراجها في مخطط الطيران العام في المجال الجوي الذي تحلق فيه.

الطائرة المُختطفة
الطائرة المُختطفة

مع دنوّ الطائرة من مطار تل أبيب، انتبه الطيار إلى أن أرضية المطار عليها عدد كبير من الدبابات والجنود في انتظار نزول الطائرة، فأمرته ليلى بالتوجه إلى حيفا والتحليق فوقها على علوّ منخفض، ليتسنى لها وللعيساوي رؤية أرضهما التي هُجّرا منها عنوة.

وبعد ذلك قررت ليلى توجيه الطائرة إلى العاصمة السورية دمشق حيث هبطت وأُنزِل ركابها وعددهم  116شخصا، بما فيهم أفراد الطاقم، ثم قام سليم بتفجير مقدمة الطائرة؛ فصارت كسمكة قطعت رأسها. وجرى اعتقال ليلى وسليم وأخضعا بداية لمعاملة قاسية، إذ ظن السوريون أن العملية مدبرة من جانب مصر لإحراج سوريا دوليا بعد تردي العلاقات بين البلدين عقب الانفصال.

بعد أسابيع من الاعتقال والتحقيق، نُقل المنفّذان إلى سجن المزة السوري، وهناك قابلا العماد مصطفى طلاس رئيس أركان الجيش السوري الذ صار لاحقا وزيرا للدفاع.. أبلغهما الرجل أن النظام السوري متعاطف معهما، لكنه مضطر إلى التصرف بشكل صارم لاعتبارات سياسية.

تم الإفراج عن ليلى وسليم بعد عدة أشهر فتوجهت ليلى إلى الأردن، وبعد فترة غادرت إلى فرانكفورت بألمانيا بعد جراحة تجميلية في الوجه ليصعب التعرف عليها، وهناك اشتركت مع المناضل اليساري “باتريك أرغويلو” من ثوار الساندينستا في اختطاف طائرة تابعة لشركة “العال” في رحلة بين أمستردام بهولندا ونيويورك في سبتمبر 1970. وانتهت العملية بمقتل النيكاراجوي واعتقال ليلى في لندن.. ليفرج عنها في صفقة تبادل أسرى لتعود إلى عمان وتنخرط في العمل السياسي وتدخل المجلس الوطني الفلسطيني، وتمارس العديد من الأنشطة في خدمة الشعب الفلسطيني في كافة المواقع.. ومازالت السيدة ليلى تعيش إلى يومنا هذا على أطراف العاصمة الأردنية.. وتحلم كل يوم بالعودة إلى حيفا.. وهي على يقين  من أن العودة حتمية إن لم تكن لها فلأولادها أو لأحفادها فالحق الفلسطيني دائما يأبى النسيان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock