رؤى

يا أبا العلاء.. نحن أولى بالشك منك!

كنت أستمع بإرهاف إلى  الشيخ السلفي وهو يرفع عقيرته بالدعاء على شيخ المعرّة الذي كفر- بحسب رأي الشيخ- عندما قال:

                               يد بخمس مئين عسجد وُدِيَت           ما بالها تقطع في ربع دينار

                                تناقض مالنا إلا السكوت لــــه        ونستجير بمولانا من النـار.

برغم أن الأمر لم يستدع عند فقهاء عصر أبي العلاء إلا الرد ببيتين من الشعر؛ نسبهما البعض إلى القاضي البغدادي عبد الوهاب المالكي إذ قال:

                           يد بخمس مئين عســــــجد وديت         لكنها قطعت في ربــــــع دينار

                              عز الأمانة أغلاها، وأرخَصَــــــها         ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري.

ما أثار دهشتي في ما ذهب إليه الشيخ السلفي؛ ذلك اليقين الكامل الذي تملكه وهو يصدر حكمه القاطع على الشيخ التنوخي.. برغم أن التساؤل مشروع والتعارض ظاهر والحكمة ليست متاحة للجميع.. كما أن الرجل ما لبث أن استجار بالمولى عز وجل من النار.. لكن هذا الحكم الذي أصدره الشيخ السلفي وهو في جمع من مريديه لا يمكن أن يكون رأيا فرديا.. هو في الحقيقة توجه يرمي إلى وأد التساؤلات في مهدها برفع سيف التكفير على كل متشكك.. والحقيقة أننا لا ندري لماذا أصبح الشك لديهم مرادفا للكفر.. برغم ما ورد في صحيح الإمام البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: “رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”. بالطبع سنجد كل التفسيرات تقريبا تبتعد بالحديث عن معناه الظاهر إلى معاني أخرى لا يخفى على ذي لب أنها ما كانت إلا للخروج بالشك من المدلول المباشر إلى مدلول آخر لا دليل عليه.

الغريب أن المخالفة هنا واضحة بل تبدو مغرضة، في مسالة الجزم بكفر المتشكك.. برغم أن السنة المطهرة قد حوت من الأحاديث ما ينافي ذلك.. لكن يبدو أن اليقين القاطع هو البضاعة الرائجة لدى البعض، وأن الأمر يستلزم الزراية بكل رأي يخالفها وإن وصل الأمر إلى الوصم بالكفر.. وهذا مثال واضح على جور هؤلاء وبغيهم على خلق الله دون وجه حق.. فقد أخرج الإمامان  البخاري ومسلم في صحيهما من حديث أبي هريرة، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “أسرف رجلٌ على نفسه، فلما حضره الموتُ أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت، فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذرُوني في الريح في البحر، فوالله لئن قدَر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذَّب به أحدً، قال: ففعلوا ذلك به، فقال الله للأرض: أدِّ ما أخذتِ، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملكَ على ما صنعتَ؟ فقال: خشيتُك يا رب – أو قال: مخافتك – فغفر له بذلك”. والأمر بعد ذلك لا يحتاج إلى توضيح.

وعودة إلى شيخ المعرّة الممتحن فقد ذكر ياقوت الحموي أنَّ القاضي أبا الفتح قال: “دخلت على الشيخ أبي العلاء التنوخي بالمَعَرَّة، وكنت أتردّد إليه وأقرأ عليه في بعض خلواته- بغير علم منه- فسمعته وهو ينشد من قوله:

                   كم غودرت غادة كعــــــــاب                         وعمّرت أمّها العجـــــــــــــــوز

                   أحرزها الوالدان خــــــــــــوفًا                        والقبر حرز لها حريــــــــــــــز

                   يجوز أن تبطئ المنــــــــــــايا                        والخلد في الدهر لا يجــــــــــوز.

ثم تأوه ثلاث مرات وتلا قوله تعالى:” إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)هود، ثم صاح وبكى بكاءً شديدًا، وطرح وجهه على الأرض زمانًا، ثم رفع رأسه ومسح وجهه وقال: سبحان من تكلّم بهذا الكلام في القِدم، سبحان من هذا كلامه، وسكت وسكن، فصبرت عليه ساعة ثم سلّمت عليه فردّ عليّ السلام، فقال لي: يا أبا الفتح متى أتيت؟ فقلت: الساعة، فأمرني بالجلوس فجلست وقلت: يا سيدي أرى في وجهك أثر غيظ، فقال: لا يا أبا الفتح، بل أنشدت شيئًا من كلام المخلوق، وتلوت شيئًا من كلام الخالق فلحقني ما ترى. فتحققت صحّة دينه وقوة يقينه”.

                        “أيها الغرّ إنْ خُصِصْتَ بعقلٍ                     فاتّبعْهُ، فكلّ عقلٍ نبي”.

ربما كانت هذه المقولة المنسوبة إلى أبي العلاء هي المدخل إلى عالمه الفكري الذي ماج بالشك، ورفض التسليم بكثير من المطلقات “حيث نرى رؤيته الشكِّية في كل ما يجرى من حوله، فلا جوامد ثابتة أو غير قابلة للتحليل والنقد، وربما كان العمى عند أبى العلاء عاملا نحو رؤية الأشياء مجردة، وهذا ما نراه في اشتقاقاته اللغوية التي نراها في مؤلفاته، حيث تجري على الأقيسة اللغوية حتى لو لم تكن مستعملة في عصره، فاللغة ليست مقدسة عند أبى العلاء؛  بل هي قابلة للتأليف والنسخ والحذف والإضافة “.

لقد تحرر أبو العلاء من كل قيد يكبِّل العقل، أو يحصر فاعليته في الأُطر الضيقة؛ رافضًا الامتثال لمقولات القدماء التي رآها تحمل من الزيف والتدليس، أكثر مما تحمل من الحجج والبراهين المقنعة، وهو مع ذلك لا يجهل على مقام الباري جل شأنه ولا يُماري في حكمته؛ ولكنه يتعذَّب  بقصور إدراكه عن  الوصول إلى مرامي هذه الحكمة، وفي هذا يقول الدكتور طه حسين: “…إنَّ أبا العلاء قد هداه عقله إلى أنَّ لهذا العالم خالقا، وإلى أنَّ هذا الخالق حكيم. لا يشك في ذلك، أو على الأقل لا يظهر فيه شكا، وهو إذا تحدّث عن هذا الخالق الحكيم تحدّث عنه في لهجة صادق يظهر فيها الإخلاص واضحا جليا. ولكنَّه عاجز عن فهم هذه الحكمة التي يمتاز بها هذا الخالق الحكيم. وعجزه عن فهم هذه الحكمة هو الذي يضنيه ويعنِّيه ويعذبه في نفسه أشد العذاب. خالق حكيم، خلق هذا العالم ورتبه على هذا النحو الذي رتبه عليه. ولكن لماذا، وما بال هذا الخالق الحكيم الذي منحنا هذا العقل وهدانا إلى التفكير لم يكشف لنا القناع كله أو بعضه عن وجه هذه الحكمة التي لا نشك فيها ولا نرتاب؟”.

ويصرِّح المعري في “رسالة الفصول والغايات” بتأرجحه بين القبول والرفض للحياة فيقول: “نفس تأمرني بذلك، ونفس تنهاني” وربما كان يعني التخلص من الحياة؛ ولذا فهو يصرِّح في رسالة الغفران: “قد كدت ألحق برهط العدم؛ من غير الأسف ولا الندم، ولكنما أرهب قدومي على الجبار”.

رسالة الفصول والغايات

فذاك رجل في شكه تصديق، وفي تساؤلاته بحث دؤوب عن الحقيقة واليقين، وهو يرى أنَّ إعمال العقل فريضة، لا يعدل إثم تركها إثم. فالعقل لديه.. نبي واجب الاتباع فيقول في ” لزومياته”:

                                يرتجي الناسُ أن يقـومَ إمــامٌ ناطقٌ في الكتيبة الخرســـــــاء

                               كذبَ الظنُّ لا إمام سوى العقل  مشيرًا في صبحه والمســاء.

وهو لا يرى هذه المذاهب التي تفرق عليها الناس إلا “أسباب لجذب الدنيا إلى الرؤساء” ولقد كان شكه  في كل ما حوله، هو سبيله لإدراك حقيقة هذا الصراع الأبدي مع نفسه ومحيطه والسلطة القائمة على الأباطيل، والتي تحكم بتصدير اليقين الزائف للناس عبر وسطائها من الكهنة رجال الدين؛ ولكنَّ إحساسه بهذه القوة الداخلية ظل  يطارده  حتى ارتقى بفكره  إلى منزلة اليقين، وكان قد سعى إلى الإصلاح ابتداء، ولكنه عندما أدرك استحالة ذلك سعى إلى تحطيم كل هذا الأوثان الحاكمة للعقول ما استطاع إلى ذلك سبيلا.. ولربما قصر السبيل عن تبين حقيقة  أبي العلاء كونه كان مؤمنا عميق الإيمان، أو غير ذلك، فليس هذا كله مما يهم؛ لكن تبصُّر منهجه في تنحية المسلمات، وإفساح المجال للعقل؛ لإدراك المقاصد والغايات، وتلمس السبيل إلى فهم المدلولات، ودفع كل يقين مكتنف بالزيف والادعاء.. هو ما نحن في أمس الحاجة إليه، وإن صار الوصول إليه الآن بعيد المنال.

هوامش:

*أبو العلاء المعري، أحمد بن عبدالله بن سليمان المولود في معرّة النعمان بسورية عام363هـ، وقد عَمِيَ من الجدري في عامه الرابع ورحل إلى بغداد سنة 398 هـ، وأقام بها سنة وسبعة أشهر ثم رجع إلى بلده معرّة النعمان ولزم منزله في عزلة لا يبرح بيته ولا يأكل اللحم ولم يتزوج أيضا وكان يصوم كل أيام السنة ما عدا عيد الفطر وعيد الأضحى وكان يلبس خشن الثياب وعاش زاهدا حتى وفاته بمعرة النعمان سنة 449 هـ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock