رؤى

طوفان الأقصى.. وتفكيك معادلات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

ربما تكون عملية طوفان الأقصى، التي بدأتها حركة حماس، في 7 أكتوبر، واحدة من أكبر المواجهات العسكرية التي تقع بين إسرائيل والحركات الفلسطينية، خاصة بعد انضمام حركة الجهاد الإسلامي إلى هذه المواجهة؛ بل، ومع احتمال انضمام حركات فلسطينية أخرى في قادم الأيام، وهو احتمال لا يمكن تجاهله، أو تجاهل تأثيراته على كافة المستويات.

إلا أن المثير للانتباه في هذا الأمر، أن عملية طوفان الأقصى، التي بدت مُباغتة بشكل كبير، قد عكست عددًا من التحولات سواء على الصعيد الإسرائيلي أو الفلسطيني. فقد جرف الطوفان معظم المعادلات القائمة في المنطقة؛ إذ إنه فرض انقلابًا، ما يزال غير واضح المعالم حتى اللحظة، سواء في الداخل الإسرائيلي أو الفلسطيني، فضلًا عن المعادلات في المنطقة عربيًا وإقليميًا، أو حتى في المعادلات الحاكمة لعلاقات المنطقة بتفاعلات الساحة الدولية.

تحول استراتيجي

واللافت، أن أولى ملامح الانقلاب الحاصل، تحت تأثير هذه الصدمة الاستراتيجية، هو إعلان إسرائيل حالة الحرب رسميًا، وهو مالم يحدث منذ حرب أكتوبر 1973، حيث كانت الصدمة الاستراتيجية الأولى التي تواجهها إسرائيل منذ إعلان قيامها في عام 1948. أضف إلى ذلك إعلان واشنطن، على لسان الرئيس الأمريكي جو بايدن، في مؤتمر صحافي خاص بأحداث غزة، أن الولايات المتحدة تقف بكل حزم إلى جانب إسرائيل، وهو نفسه ما أكد عليه وزير خارجيته أنتوني بلينكن.

والمثير هنا هو إرسال حاملة الطائرات الأمريكية “جيرالد فورد” إلى المنطقة، وهي أقوى حاملة طائرات في العالم؛ بما يعني أن الأمور لن تقتصر على محاولات إسرائيل لـ”رد الاعتبار” إلى جيشها، الذي ما يزال يُعاني من زلزال أكتوبر الأول قبل 50 عامًا. ويبدو، أن إرسال حاملة الطائرات الأمريكية، يؤشر إلى تداعيات للحرب؛ لن تقف عند حدود مستقبل قطاع غزة، ومستقبل حركة حماس في غزة، وعلاقة غزة بإسرائيل؛ بل أيضا يحمل تحذيرًا واضحًا لأطراف أخرى في الإقليم، فيما لو تدخلت في هذه الحرب، وفي مقدمتها حزب الله اللبناني، وإيران.

غزة

يعني هذا في ما يعنيه، أن ثمة تحول استراتيجي قد حدث في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، سوف ينعكس على مسار العلاقات بين “العرب.. وإسرائيل”، وعلاقات القوى الدولية معهم، تتبدى أهم ملامحه في جانبين:

فمن جانب، وإضافة إلى أن العملية العسكرية تضمنت خسائر هائلة، بالنسبة إلى الطرف الإسرائيلي، وهي خسائر ربما تكون غير مسبوقة في تاريخ المواجهات، بينها وبين الحركات الفلسطينية؛ فهي -في الوقت نفسه- تعكس حالة التأزم في المؤسسات الأمنية الإسرائيلية، وخاصة الاستخباراتية، حيث نجحت حركة حماس في مفاجأة إسرائيل، بتنفيذ هجوم مفاجئ على عدة محاور، دون أدنى انتباه من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

أيضًا، فقد جاء طوفان الأقصى ليعكس إشكاليات حادة، بشأن منظومة الدفاع الجوي لدى إسرائيل؛ فبعد سنوات من محاولات إسرائيل في ترويج قدرات الدفاع الجوي “العالية” لديها، جاء الطوفان ليُغرق هذه المحاولات في “قاع” الواقع؛ إذ عجزت منظومة الدفاع الجوي عن اكتشاف الطائرات “الشراعية” التي استخدمها مقاتلو حماس في الوصول إلى عمق بعض المناطق الإسرائيلية. هذا ناهيك عن انكشاف ما تُسميه إسرائيل بـ”القبة الحديدة”، التي أثبتت صواريخ المقاومة الفلسطينية فشلها التام في تأمين إسرائيل.

من جانب آخر، يتبدى التراجع في جاهزية القوات العسكرية الإسرائيلية؛ حيث تُدلل عملية طوفان الأقصى، في أحد جوانبها الرئيسة، على تزايد معدلات إنهاك القوات العسكرية لدى إسرائيل، بما يؤشر إلى عدم جاهزيتها على المستوى الميداني؛ هذا رغم المحاولات الإسرائيلية المستميتة في إظهار قدراتها التدميرية، تجاه الأحياء “المدنية” في غزة؛ بل حتى اللحظة لم يستطع الجيش الإسرائيلي إحكام السيطرة على أفراد المقاومة الفلسطينية، المتواجدين في مستوطنات “غلاف غزة”.

وكما يبدو، فإن التصعيد العسكري الحالي، لا يلغي أن طوفان الأقصى قد شكَّل ضربة قاصمة لقدرات الردع الإسرائيلية؛ لا سيما أنها اشتملت على محاولة “إذلال” الجيش الإسرائيلي. إذ لنا أن نلاحظ، بخلاف حرب “السادس” من أكتوبر (1973)، التي تعرضت فيها إسرائيل إلى هجوم من أقوى الجيوش العربية، الجيش المصري؛ فإن حرب “السابع” من أكتوبر (2023)، شنتها قوة عسكرية صغيرة نسبيًا، ولا تمتلك قدرات الدول، ومع ذلك فقد أظهرت تراجع قدرات الردع الإسرائيلية، على المستوى “الميداني”.

لم يُعبر طوفان الأقصى فقط عن تحول استراتيجي، في معادلات الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، والعرب بالتبعية الظاهرية؛ ولكن أيضا في إظهار المواقف المختلفة للقوى الإقليمية والدولية، من هذه العملية خاصة الموقف الأمريكي والإيراني، إضافة إلى عملية التطبيع السعودي مع إسرائيل برعاية أمريكية.

غزة

فمن جهة، أعلنت واشنطن عن تكثيف دعمها الاستخباراتي والعسكري مع إسرائيل؛ بل إن عددًا من التقارير قد أشار إلى أن عملية طوفان الأقصى كانت “مفاجأة بالنسبة إلى الولايات المتحدة”. إلا أن الأهم هنا، هو الصدمة التي تلقتها الولايات المتحدة من تراجع القدرات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية؛ حيث لم تتوقف الصدمة عند حدود  الداخل الإسرائيلي، أو حتى المحيط العربي والإقليمي، ولكن امتد إلى حلفاء تل أبيب عمومًا -على الأقل في أوروبا- فضلًا عن الولايات المتحدة الأمريكية.

من جهة أخرى، من المرجح أن تؤدي المواجهات بين حماس والجهاد، وبين إسرائيل إلى تزايد انخراط إيران في الملف الفلسطيني؛ إذ إن طوفان الأقصى ساهم في تأكيد الشكوك الكبيرة حول المساهمة الإيرانية عمومًا، وحزب الله بشكل خاص، في تطوير قدرات حركة حماس، وربما الجهاد أيضا. ومن ثم يطرح هذا إمكانية أن تتوسع جبهات المواجهة، على الأقل في ما يتعلق بالمزيد من التصعيد بين إيران وإسرائيل، في ظل اتهامات الأخيرة لإيران بالتورط في دعم حركة حماس.

من جهة أخيرة يبدو أن العملية العسكرية الحالية سوف تُعقِّد مسار التطبيع والتقارب مع الدول العربية، التي تسارعت في الفترة الأخيرة، لاسيما مع الرياض برعاية أمريكية؛ فمع الموجة المتصاعدة من التعاطف العربي والإسلامي، مع فلسطين والمقاومة الفلسطينية، خصوصًا في ظل “جريمة الحرب” التي ترتكبها إسرائيل حاليًا في غزة، بحق المدنيين، سيكون من الصعب التقارب مع تل أبيب من أي دولة عربية، إذا طال أمد الحرب.

كما أن إطالة أمد الحرب، واستشهاد المزيد من الفلسطينيين، خاصة المدنيين منهم، سيجعل فرص انخراط أطراف أخرى فيها، احتمالًا قابلًا للتحقق؛ ليس فقط دخول حزب الله على خط التصعيد العسكري مع إسرائيل، ولكن أيضًا تصاعد الأحداث في الضفة الغربية والقدس، بما يمكن أن يُساهم في توسيع المواجهات مع إسرائيل.

في هذا السياق، يُمكن القول بأن توقيت إطلاق عملية طوفان الأقصى، لابد أن يُثير مجموعة تساؤلات حول التغيير الحاصل في معادلات الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين؛ خاصة أن الطوفان بدأ في أكتوبر، وفي يوم السبت، وفي السابع من أكتوبر، بكل ما يرتبط به ذلك في الذاكرة العربية بحرب السادس من أكتوبر 1973، بما يؤشر إلى استهداف حماس والجهاد على تأكيد مسار المواجهة العسكرية مع إسرائيل؛ في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات العربية الإسرائيلية تحولات تدفع نحو مزيد من الانفتاح.

ضمن أهم هذه التساؤلات يأتي التساؤل حول الاستهداف الإسرائيلي من دفع النازحين الفلسطينيين، تحت تأثير القصف العنيف نحو “جنوب” قطاع غزة؛ بما يؤشر أن ثمة مخطط يستهدف توطينهم في سيناء.

أيضًا، مع أن حماس قد استطاعت تثبيت نفسها كـ”رقم صعب” في المعادلة الفلسطينية؛ إلا أن الاختلال في ميزان القوى مع إسرائيل، يطرح التساؤل حول إمكانية الحركة، وحركات المقاومة الفلسطينية عمومًا على الصمود في ظل ما يحدث من تدمير غزة، بل وانقطاع كافة أشكال المعونة الأمريكية والأوروبية وربما العربية مع الفلسطينيين.

وأخيرًا ماذا عن لبنان؟ هل يجازف حزب الله بالدخول على خط الصراع العسكري بين إسرائيل والفلسطينيين؛ وماذا عن التهديد الإسرائيلي لحزب الله بخصوص الرئيس السوري بشار الأسد؟

هذه بعض من التساؤلات التي نراها مشروعة، والتي تؤكد أن طوفان الأقصى قد ساهم في تفكيك معادلات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بما تُشير إليه من كافة تداعياتها المستقبلية.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock