رؤى

الجزائر.. ومخاطر “الساحل الأفريقي” الجيوسياسية

عدد من المخاطر والتحديات التي تواجهها الجزائر، نتيجة الاضطرابات التي تشهدها مناطق جوارها الجغرافي، سواء من جهة ليبيا والأزمة الممتدة فيها، أو من جهة منطقة الساحل الأفريقي وما تحتويه من عوامل تؤثر على الأمن الوطني الجزائري، نتيجة التشارك مع دول المنطقة في حدود طويلة.. وغير ذلك من المخاطر والتحديات.

وفي هذا الإطار، فقد تُوِجَت أشغال الدورة العاشرة للندوة “رفيعة المستوى للأمن والسلم في أفريقيا”، التي استضافتها الجزائر، وشهدت أعمالها مدينة وهران -في غربي الجزائر- مؤخرا؛ بتوصية تدعو إلى محاولة تثبيت مبدأ “الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية”، عبر التأكيد على ضرورة بلورة جيل جديد من عمليات حفظ السلام في القارة.

وتكمن أهمية هذه الدورة، التي تُعرف أيضا بـ”مسار وهران” نسبة إلى المدينة التي تستضيف أعمالها سنويًا؛ في أن الجزائر، وهي من بين مؤسسي هذا المسار ومن أهم داعميه، سوف تتسلم عضويتها في مجلس الأمن الدولي، مع بداية يناير المُقبل، 2024.

وتتعدد المخاطر الدافعة للجزائر في أهمية بحث “الأمن والسلم في أفريقيا”، نتيجة التوتر الذي تُعاني منه دول جوارها الجغرافي.. ولعل أهم هذه المخاطر ما يتبدى في ما يلي:

أولًا: مخاطر الانقلابات في الساحل الأفريقي؛ حيث إن منطقة الساحل الأفريقي قد أصبحت بؤرة للتوتر الأمني، وعدم الاستقرار؛ خاصة في ظل ما شهدته المنطقة من تعدد في الانقلابات العسكرية، من مالي إلى بوركينا فاسو، وصولًا إلى النيجر. ومع تزايد التوتر الأمني على الحدود الجزائرية مع دول منطقة الساحل، تنامى الدور الجزائري في محاولة الدخول على خط ملفات الأزمات الناتجة عن تلك الانقلابات، كما في مالي.

واللافت، أن اهتمام الجزائر بدول جوارها الجغرافي الإقليمي، يأتي كنتيجة طبيعية لارتباطها مع هذه الدول بحدود طويلة، ما يجعل من هذه الدول، خاصة مالي والنيجر، عمقًا استراتيجيًا للجزائر؛ هذا فضلًا عن قرب هذه الحدود من مواقع نفطية استراتيجية في جنوب الجزائر، بما يجعل من تدهور الأوضاع الأمنية، على الحدود تهديدا للأمن الوطني الجزائري.

ثانيًا: مخاطر تهديد منظمات العنف والإرهاب؛ وهو ما يُشكل أحد أهم العوامل الدافعة للجزائر، في الاهتمام بمسائل التعاون الأمني؛ وهو ما يبدو بشكل لافت، عبر تصريح العطاف وزير الخارجية الجزائري، الذي أشار فيه إلى أن منطقة الساحل الصحراوي “أضحت عنوانا بارزا لغياب الأمن والاستقرار، من شرقها إلى غربها، من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي”؛ ومُحذرًا -في الوقت نفسه- من “استفحال آفتي الإرهاب والجريمة المنظمة، وتفاقم بؤر التوترات والنزاعات”.

ويدل تصريح العطاف هذا على تغلغل جماعات العنف والإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، التي تأتي في المرتبة الثانية من حيث عدد العمليات الإرهابية في أفريقيا، بحسب تقرير للأمم المتحدة نُشر في 16 مايو الماضي؛ كما يؤشر إلى مدى التخوف الجزائري، والاهتمام في آن، بمدى تهديد هذه الجماعات للجزائر، عبر الحدود المشتركة مع منطقة الساحل.

ثالثًا: مخاطر الهجرة غير الشرعية عبر الجزائر؛ إذ يبدو أن إحدى المشكلات، الناتجة من عدم الاستقرار في منطقة الساحل، هو تزايد موجات اللجوء والهجرة إلى الداخل الجزائري؛ خاصة منذ عام 2020، حيث شهدت المنطقة انقلابات في مالي وبوكينا فاسو والنيجر، وهو ما أدى إلى تزايد موجات الهجرة إلى الجزائر بوتيرة كبيرة.

بل، لعل المُثير في الأمر، أن مدينة وهران، المدينة الجزائرية الثانية بعد الجزائر العاصمة، والتي تستضيف الندوة الخاصة بالأمن والسلم في أفريقيا، قد تحولت في الآونة الأخيرة إلى مدينة عبور للمهاجرين، ووجهة مُفضلة لقوافل الهجرة غير الشرعية، من دول الشرق الأوسط وأفريقيا، إضافة إلى رعايا دول الساحل والصحراء، نحو السواحل الأوروبية؛ وهو ما يعني تحول الجزائر، ومدينة وهران بشكل خاص، إلى منطقة عبور أكثر سهولة نحو البحر المتوسط، وما يؤدي إليه ذلك من تداعيات على الأمن الجزائري، اقتصاديا واجتماعيا.

فمن خلال تلك المخاطر التي تُحيط بالجزائر، جراء التوتر في منطقة الساحل الأفريقي، فضلًا عن ليبيا المجاورة، بما تحملة الأزمة الليبية من تداعيات على الأمن الوطني الجزائري.. تبدو المصالح الأمنية الجزائرية، في عاملين:

العامل الأول يتعلق بضرورة تأمين الحدود عبر مُقاربة أمنية مشتركة؛ حيث إن أحد أهم العوامل التي تستند إليها الجزائر، في الاهتمام بالملفات الأمنية، خاصة في منطقة الساحل الأفريقي، يكمن في “الحدود” وكيفية تأمينها؛ بما لها من أبعاد أمنية وما تتضمنه من تهديدات عابرة لهذه الحدود إلى الداخل، وهو الاهتمام الواضح في معظم أبعاد السياسة الخارجية الجزائرية.

فعقب انهيار الدولة في ليبيا، وتنامي ظاهرة الإرهاب، وتدفق الأسلحة من مخازنها في ليبيا، إلى دول الساحل، وإلى جماعات العنف والإرهاب؛ استندت الجزائر إلى محاولة التشارك مع دول الساحل، ومع الدول الأفريقية عمومًا، في مُقاربة أمنية، للحد من تداعيات هذه المشكلات الأمنية بالأساس.

ومن جهة أخرى، تبدو أهمية تفعيل الدور الجزائري في مجلس الأمن؛ فمن بين الملفات التي بُحثت، في إطار الندوة العاشرة، التي استضافتها الجزائر، خلال اليومين الماضيين، كان ملف الاستفادة من تجارب الأعضاء الأفارقة السابقين في مجلس الأمن الدولي، من جانب الأعضاء الجدد: الجزائر وسيراليون، إضافة إلى زيمبابوي.

بل، إن أعمال الندوة كانت بمثابة دعم لولاية الجزائر، وسيراليون، في المجموعة “أ 3″، بداية من أول يناير المُقبل، وهي المجموعة التي تُمثل الدول الأفريقية الثلاثة في مجلس الأمن؛ إضافة إلى محاولة كسب المساندة لهذه المجموعة، عبر “التقارب بين الدول الأفريقية لاسيما في ما يخص إسماع الصوت الأفريقي في المجلس”، بحسب تصريح العطاف في ختام الندوة.

في هذا السياق، يُمكن القول بأن التحولات الراهنة التي طرأت على دول الجوار الإقليمي للجزائر، قد أسهمت إلى تعرض دوائرها الجيوسياسية لتحديات أمنية، أهمها تلك التي تتمثل في تنامي التهديدات المرتبطة بالإرهاب، والجريمة المنظمة، وانتشار الأسلحة.. وغيرها. أضف إلى ذلك انهيار الدولة في ليبيا، وصعوبة إعادة الاستقرار إلى مالي، والانقلابات التي شهدتها منطقة الساحل الأفريقي، في بوركينا فاسو والنيجر، مع تنامي التنافس العسكري الأجنبي، في الساحل الأفريقي.

وبالتالي، تجد الجزائر نفسها مرتبطة أمنيًا بعدة دوائر إقليمية غير مستقرة؛ بما يعني إمكانية تعرضها لعديد من المخاطر، من شأنها أن تهدد استقرارها وأمنها القومي؛ بما يدفعها إلى الاهتمام بكافة المنتديات الأمنية الأفريقية كـ”اهتمام جيوسياسي”.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock