لعل المثال البالغ الدلالة، والذي يُعدّ من أبرز الحوارات القرءانية، التي تحمل معاني عميقة، هو الحوار الإلهي مع إبليس، ليس فقط حول خلق آدم عليه السلام؛ ولكن أيضا حول الأمر الإلهي بالسجود لآدم. وقد وصلنا في الحديث السابق إلى رفض إبليس السجود لآدم؛ وأن هذا الرفض والعصيان للأمر الإلهي، جاء نتيجة أن إبليس “استَكبَرَ”، حيث اعتبر نفسه أفضل من آدم؛ وأظهر إبليس تكبُّره لأنه مخلوق من نار، وعدم قبوله لفكرة أن يُفضَّل مخلوق “طيني” عليه.
ولنا أن نُلاحظ الإصرار الإبليسي على الاستكبار، وتخيُّله بأن النار خيرٌ من الطين، كما في قوله سبحانه وتعالى: “قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٭ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ” [ص: 75-76]. ولنا أن نتأمل أيضا، كيف وصل الإصرار الإبليسي إلى درجة نسبة “الخيرية” إليه هو “أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ”؛ وبناءً على ذلك، حاول تقديم تبريره بخصوص الاعترض على مسألة السجود لآدم عليه السلام.
إشكالية إبليس
ولم يتوقف اعتراض إبليس عند حدود نسبة “الخيرية” إليه، أو رفض فكرة أن يُفضَّل مخلوق “طيني” عليه، ولكنه اعترض أيضا على خلق بشر من “حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ”؛ كما جاء في قوله عزَّ من قائل: “وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٭ فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٭ فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٭ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٭ قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٭ قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ” [الحجر: 28-33].
وقد وصلنا من قبل إلى أن الأساس في رفض إبليس السجود هو “تكريم الإنسان”.. إذ، إن هذا المخلوق الذي جاء الأمر الإلهي بالسجود له، قد كُرِّمَ من الله تبارك وتعالى؛ بما يؤكد أن السجود ليس “سجود خضوع” ولكنه -كما أراده الله تعالى- “سجود تكريم” لأنه سبحانه قد سَخَّرَ كل ما في الكون؛ ليكون في خدمة “الإنسان – الخليفة”، لإنجاز المهمة التي أوكلها إليه رب العالمين، مهمة إعمار الأرض.
ولعل هذا يتبدّى بوضوح في ما جاء على لسان إبليس “قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ…”، وذلك في قوله عزَّ وجل: “وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٭ قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٭ قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا” [الإسراء: 61-63].
واللافت، أن إشكالية إبليس تلك، في الوقت الذي كانت سببا في رفضه السجود لهذا “الإنسان”؛ فإنها -في الوقت نفسه- كانت دافعا لطلب إبليس من الله تبارك وتعالى أن يُمهله حتى يوم القيامة، وذلك بعد أن أصدر سبحانه “الحُكم” الإلهي الحاسم بالعقوبة التي حلت بإبليس، حيث “هبوط” مكانته، وطرده من الجنة ولعنه “إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ”.
هدف إبليس
ولأن إشكالية إبليس كانت في التكريم الإلهي للإنسان؛ لذلك طلب من الله تبارك وتعالى “مهلة” زمنية، لكي يُثبت من خلالها أن هذا “الإنسان” لا يستحق مثل هذا التكريم. بل، إن الأمر لم يتوقف عند حدود “الإنسان” المأمور له إبليس بالسجود، ولكن يصل الأمر إلى ذريته بـ”الغواية” من جانب إبليس “إِلَّا قَلِيلٗا” منهم. وهذا، يتضح في قوله تبارك وتعالى: “قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا” [الإسراء: 62].
بل، إن هذا الغرض من الطلب الإبليسي، يتأكد في أكثر من موضع في آيات التنزيل الحكيم؛ في قوله عزَّ وجل: “قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٭ قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٭ قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٭ ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ” [الأعراف: 14-17]. أيضا، يتأكد في قوله عزَّ من قائل: “قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٭ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٭ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٭ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٭ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ” [ص: 79-83]. كذلك، يتأكد في قوله سبحانه وتعالى: “قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٭ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٭ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٭ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٭ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ” [الحجر: 36-40].
وبالرغم من الحُكم الإلهي الحاسم والصارم بالعقوبة التي حلت بإبليس؛ إلا أنه تبارك وتعالى رد الله على طلب إبليس بالموافقة على الإمهال؛ ولكنه سبحانه أكد أيضا أن كيد إبليس لن يضر إلا من تبعه من ذرية آدم عليه السلام، وهو ما يتبدّى من خلال الحكم الإلهي الحاسم على كل من اتبع إبليس، أو وقع في غوايته.
يقول سبحانه: “قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا” [الإسراء: 63]؛ ويقول تعالى: “قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ” [الأعراف: 18]؛ ويقول: “قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ ٭ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ” [ص: 84-85].
وقد صدر “الحُكم” الإلهي بعدم إمكانية إبليس في غواية “العباد” من ذرية آدم عليه السلام؛ كما يتبدّى في قوله سبحانه: “قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ ٭ إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ” [الحجر: 41-42]. هذا، فضلا عن “التحذير” الإلهي للمؤمنين، من ذرية آدم، باتباع إبليس وذريته؛ كما في قوله تعالى: “وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا” [الكهف: 50].
وهكذا.. ينتهي الحوار بين الله وإبليس، هنا؛ ولكن تبقى الرسالة الأهم للبشرية هي أن الإنسان مُخيّر بين طريق غواية إبليس، وطريق صراط الله المستقيم. إلا أن الأهم -في نظرنا- ويأتي في إطار الاختيار الإنساني، هو دلالات الحوار الإلهي مع إبليس؛ إذ رغم الدلالات نجد من يقول “لا حوار، ولا تفكير”.. وهؤلاء، تحديدا، لا نراهم؛ أو يجب أن لا نراهم.
وللحديث بقية.