رؤى

المكان القرءاني.. والثنائية الكونية “السموات والأرض”

يشكل مفهوم المكان في القرءان الكريم أحد المفاتيح المعرفية الكبرى، لفهم البنية الكونية والوجودية التي يقدمها الوحي؛ إذ لا يُقدَّم المكان بوصفه مجرد إطار جغرافي أو إحداثيات هندسية، بل باعتباره “عنصرا دلاليا” يتجاوز الحضور الفيزيائي إلى الحضور الرمزي والتعبدي والميتافيزيقي. ومن أبرز تجليات هذا المفهوم القرءاني، الثنائية الكونية الكبرى “السموات – الأرض”، التي تشكل الإطار المادي المدرك للخلق، وترد أكثر من “مِئَتي” مرة، ما يدل على مركزيتها في الرؤية القرءانية للكون.

هذا، إضافةً إلى ما يمكن تسميته بـ”المكان المتخيل”، أي الفضاءات الغيبية التي تستبطن رمزية علوية “سدرة المنتهى” و”البيت المعمور” و”اللوح المحفوظ” على سبيل المثال. وهذان المستويان  – الواقعي والمتخيل- لا يفصل بينهما القرءان فصلا مطلقا؛ بل يجعلهما متداخلين في شبكة دلالية تشير إلى وحدة الخلق والمصدر والمصير.

هنا، سوف نتناول “المستوى الواقعي”، أي الثنائية الكونية “السموات والأرض”، على أن نؤجل تناول “المستوى المتخيل” إلى المقال القادم بإذن الله تعالى.

السموات والأرض

يُركز الخطاب القرءاني على السموات والأرض بوصفهما “ثنائية كونية”، لتكونا أصل المكان ومنطلق التجربة الإنسانية في الزمان. يقول سبحانه وتعالى: “ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ” [الأنعام: 1]

هنا، يبدو المكان في بعده الكوني الأول: الخَلق؛ فالسموات والأرض ليستا مسرحا للأحداث فحسب؛ بل هما “بنية الخلق الأولى” التي منها تتفرع بقية الموجودات. وتأتي الثنائية لا لتقسيم الوجود، ولكن لتوكيد تكامله؛ إذ تُمثل كلٌّ من “السماء” و”الأرض” قطبا من أقطاب الوجود: العلو والسفل، الغيب والشهادة، الأمر والخلق.

وهنا أيضا يتضح أن تعددية الاقتران بين السموات والأرض يعكس “وحدة النظام المكاني” في التنزيل الحكيم؛ فكل ما في الوجود ينضبط في هذه الثنائية: ما علا فهو “سماوي”، وما استقر فهو “أرضي”. ولكن هذه الثنائية ليست مادية فحسب؛ بل هي “رمزية” كذلك تعبّر عن “مراتب الوجود” ودرجات القرب من الخالق. ففي قوله سبحانه: “يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ” [السجدة: 5]؛ يتضح أن السماء ليست مجرد جهة فيزيائية، بل موضع “السلطة الإلهية” و”التدبير”، بينما الأرض مجال “التجلي” و”الاختبار”. يقول تعالى: “ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ٭ أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ” [الملك: 16-17].

فالعلاقة بين السماء والأرض، إذن هي علاقة إرسال واستقبال، أمرٍ وتنفيذ، نزولٍ وصعود، بما يجعل المكان حاملا لجدلية الاتصال بين “الإلهي” و”الإنساني”. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن ثنائية “السموات والأرض” في القرءان الكريم تعبّر عن “المسرح الكوني” للعبادة والعمران؛ فالإنسان مخلوق “أرضي” لكنه مكلّف بعبادة “ربّ السموات والأرض”، ما يجعله كائنا بين جهتين: جهة الخلق التي ينتمي إليها، وجهة الأمر التي يتلقى منها التكليف. يقول تعالى: “ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ” [البقرة: 22].. ويقول عزَّ وجل: “وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٭ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ” [الزخرف: 84-85].

فالمكان الأرضي هنا – في هذه الآيات الكريمات- ليس إلا “ساحة التكليف”، أما السماء فهي “مصدر التشريع والوحي”، وبذلك تتأسس الرؤية القرءانية على توازن “مكاني روحي”؛ كلٌّ من السماء والأرض يؤدي وظيفته في النظام الإلهي، ولا يستقل أحدهما عن الآخر. يقول تبارك وتعالى: “وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ ٭ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ” [الذاريات: 22-23].

دلالات الثنائية

تشكل ثنائية “السموات والأرض” النموذج المكاني الأكثر ورودا في التنزيل الحكيم. هذه الثنائية ليست مجرد وصف طوبوغرافي للكون، وإنما هي إطار لعلاقة الخالق بالمخلوق، وللدلالة على سعة القدرة الإلهية وعظمة الخلق.

ومن ثم، لنا أن نُلاحظ أهم دلالات هذه الثنائية الكونية، كما تتبدى في آيات التنزيل الحكيم..

– دلالة الاتساع والخلق؛ حيث ترد السموات والأرض في سياق بيان بديع الخلق وعظمته. يقول عزَّ من قائل: “أَوَ لَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ” [الأنبياء: 30]. ولفظ “رَتۡقٗا” من “الرَّتْق”، أي “الشيء الملتحم الملتصق”؛ أما “فَفَتَقۡنَٰهُمَا” فهي من “الفَتق”، أي “فصل الالتحام وإزاحته”. ومن ثم، فإن “رَتۡقٗا” و”فَفَتَقۡنَٰهُمَا” يشيران إلى حدث كوني عظيم، جعل من المكان فضاءً ممتدا قابلا للحياة والاستقرار.

أيضا، في التنزيل الحكيم ما يؤكد الإحكام في هذا البناء؛ حيث يقول سبحانه: “ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُور” [الملك: 3]. فـ”طِبَاقٗاۖ”، أي “متواقفة على سُنَّة واحدة من الإتقان”؛ وبالتالي، فالسموات السبع متطابقات، طَبقا فوق طبق، في نظام بديع، والأرض مهيأة للحياة؛ ما يجعل من السموات والأرض (مكان مادي) آية دالة على الوحدانية. هذا، فضلا عن أن في خلقهما آيات لأصحاب التأمل والتدبر في خلق الله تعالى. ولذلك، يقول عزَّ وجل: “إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ” [آل عمران: 190].

– دلالة التسخير والاستخلاف؛ إذ كما أشرنا أكثر من مرة، إن المكان في القرءان ليس محايدا، بل هو مسخر للإنسان، الذي جعله الله في الأرض خليفة. يقول عزَّ من قائل: “هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰت وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيم” [البقرة: 29]. فالأرض بمكوناتها مكانٌ مُسَخَّر لخدمة الإنسان وتحقيق عمارتها؛ كما يتضح في قوله تبارك وتعالى: إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ” [البقرة: 164].

إلا أن الأرض ليست، فقط، مكانًا مُسَخَّر لخدمة الإنسان؛ ولكنها، أيضا جزء من الامتحان الإلهي للإنسان بعد أن جعله الله “فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ”؛ وبالتالي، يقول سبحانه: “وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ” [البقرة: 30]. بهذه الآية، تكتسب الأرض بعدًا أخلاقيًا، فهي مكان المسؤولية والابتلاء والاستخلاف.

في هذا الإطار.. يمكن الإشارة إلى الدلالة الثالثة.. نعني: دلالة النهاية والقيامة؛ حيث يرتبط مصير المكان المادي (السموات والأرض)، بيوم القيامة. إذ، يُصور القرءان انهيار هذا النظام المكاني المألوف، إنسانيا؛ وذلك “مقدمة” للتحول في طبيعته والقوانين الإلهية الحاكمة له. هذه المقدمة (الانهيار)، تحدث عنها رب العالمين، فقال سبحانه: “إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتۡ ٭ وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ ٭ وَإِذَا ٱلۡأَرۡضُ مُدَّتۡ ٭ وَأَلۡقَتۡ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتۡ ٭ وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ” [الانشقاق: 1-5]؛ وقال تعالى: ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا ٭ وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا” [الزلزلة: 1-2].

هذا التفكيك للثنائية الكونية “السموات – الأرض”، يؤكد أن المكان المخلوق محدود زمنيا، وأن هناك عالما آخر يتجاوزه، هو دار القرار.

وللحديث بقية.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى