يمثل مفهوم “المكان” في القرءان الكريم بُعدا جوهريا في صياغة التصور العقدي الإسلامي للكون والوجود. وإذا كانت ثنائية “السموات والأرض” تشكل الإطار المكاني “المادي” المدرك، فإن ثنائية “العرش والكرسي” تمثل التجلي الأعلى للمكان في عالم الغيب، أي الإطار المكاني “المعنوي” غير المدرك، بوصفهما مركزا للسلطة الإلهية المطلقة ومظهرا لعظمتها. لا يتناول التنزيل الحكيم العرش والكرسي بوصفهما مواقع جغرافية أو مادية؛ بل باعتبارهما رمزين للسيادة والحكم والقدرة، تدور في فلكهما جميع المخلوقات.
فالعرش في الخطاب القرءاني ليس مكانا محدودا أو جسما مادّيا؛ ولكن “رمزٌ الهيمنة” الإلهية المطلقة على الوجود، بينما الكرسي “رمزٌ العلم والإحاطة” الإلهية التي تشمل السماوات والأرض. ومن خلال هذه الثنائية، يتجلى مفهوم المكان في القرءان بوصفه فضاء تتجسد فيه “سيادة الله ووحدانيته في الخلق والأمر”، بعيدا عن التصور الحسي أو التشبيه المادي.
سنحاول هنا، تناول مفهوم “العرش”، ومفهوم “الاستواء على العرش”؛ على أن نتناول مفهوم “الكرسي” في مقال قادم بإذن الله تعالى.
مفهوم العرش
ورد مصطلح “العرش” في آيات التنزيل الحكيم في اثنين وعشرين موضعا، كلها وردت مُعرفة بـ”الـ” التعريف، في ما عدا موضعين اثنين؛ في قوله سبحانه: “إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ” [النمل: 23]؛ وفي قوله تعالى: “وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ” [الحاقة: 17]. وفي غير هذه المواضع، وردت تنويعات أخرى لمصطلح “عرش”، وهي: يعرشون (2)، عرشك (1)، عرشه (1)، عرشها (2)، عروشها (3)، معروشات (2).
والمُلاحظ، بالنسبة إلى الـ “اثنين وعشرين” موضعا، التي ورد فيها مصطلح “عرش”، في السياق القرءاني، فقد ورد المصطلح فيها جميعا منسوبا إلى الله سبحانه وتعالى؛ إلا في موضعين اثنين، في قوله سبحانه: “وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ…” [يوسف: 100]؛ وفي قوله تعالى: “إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ” [النمل: 23]. وكما يبدو، فقد اتخذ البعض من هاتين الآيتين الكريمتين “حجة” على إمكانية ورود مصطلح “ٱلۡعَرۡشِ” بوصفه “مفهوما ماديا”؛ إلا أننا نرى عكس ما يراه هؤلاء البعض.
فـ”ٱلۡعَرۡشِ”، لسانيا، يؤشر إلى “سلطة الأمر والنهي المُطلقة”؛ أي يدل على رمزية المُلك والسلطان.. والدليل هنا على هذه الدلالة وذاك المؤشر، هو السياق القرءاني في الآية الأولى “وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ”؛ وبالطبع، فإن “خَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ” لا تمت بصلة إلى ما رأيناه في المسلسل التلفزيوني الشهير، وإنما هي تؤكد على “إعلان الطاعة والولاء”. أما في الآية الكريمة الثانية، لنا أن نُلاحظ التعبير القرءاني “ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ… وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ”؛ إذ إنه لا يدل على شيء مادي بقدر ما يُعبر عن السلطان ونفوذ ملكة سبإ على قومها “ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ”.
العرش الإلهي
بداية، أن يأتي مصطلح “ٱلۡعَرۡشِ” منسوبا إلى الله تبارك وتعالى في عشرين موضعا، فهذا يُضيف حمولة دلالية إلى الدلالة التي يتضمنها مصطلح “ٱلۡعَرۡشِ”، أي “رمزية المُلك والسلطان”، أو بالأحرى “سلطة الأمر والنهي المُطلقة”. هذه الإضافة الدلالية تتعلق، بالتأكيد، من خلال وجوب أن نأخذ كل شيء منسوب إلى الله سبحانه وتعالى في إطار: “لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ” [الشورى: 11]. ومن ثم، فهذه الإطلاقية في “سلطة الأمر والنهي” تتبدى في أكثر من موضع في آيات التنزيل الحكيم..
يقول سبحانه وتعالى: “لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٭ لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ” [الأنبياء: 22-23]؛ ويقول سبحانه: “سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ” [الزخرف: 82]. وهنا، لنا أن نُلاحظ ورود مصطلح التنزيه الإلهي “سُبۡحَٰنَ”، الذي يأتي في سياق واحد مع التعبير القرءاني “عَمَّا يَصِفُونَ”، لنفي التقول عليه سبحانه.
أيضا لنا أن نُلاحظ كيفية الارتباط الدلالي بين الآيتين الكريمتين عبر ورود اسم الله الأعظم “ٱللَّهِ” (الألوهية)، في الأولى؛ وورود سمة العلاقة الصارمة بين الله تعالى وكل مخلوقاته، علاقة السيطرة والملكية والسيادة (الربوبية)، في الثانية “رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ”. بل، لنا أن نُلاحظ، إضافة إلى هذا وذاك، كيف وردت الألوهية مرتين في الأولى، والربوبية مرتين في الثانية.
بهذا المعنى، لا يُمثل مصطلح “ٱلۡعَرۡشِ”، فقط، “سلطة الأمر والنهي المُطلقة”؛ ولكن أيضا “رمزية المُلك والسلطان”، أو لنقل: “رمزية عالم الغيب الأعلى”، الذي يدل على “تمام السلطة والسيادة في تدبير الخلق والأمر”. وبكلمة، فمصطلح “ٱلۡعَرۡشِ” يرمز إلى المقام الأعلى للسلطة الإلهية، التي يصدر منها الخلق وإليها يعود الأمر.
بهذا، ينقل السياق القرءاني مفهوم “ٱلۡعَرۡشِ”، من المعنى “الحسي” إلى الدلالة “الكونية”.
العرش والاستواء
هذه الدلالة الكونية، تتبدى بوضوح في قوله عزَّ وجل: “ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ” [الرعد: 2].. وفي قوله عزَّ من قائل: “ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٭ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ” [طه: 5-6].. وهنا، تتبدى بشكل لافت أيضا، العلاقة بين الدلالة الكونية لمفهوم “ٱلۡعَرۡشِ”، وبين دلالة مصطلح “الاستواء”.
وإذا كان الأساس في “ٱلۡعَرۡشِ”، لسانيا هو الأمر؛ فإن الأساس في “ٱسۡتَوَىٰ” هو الاستقرار والتحكم؛ كما في قوله سبحانه: “فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ” [المؤمنون: 28].. وكما في قوله تعالى: “لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ” [الزخرف: 13]. ولنا أن نتأمل، بخصوص هذه الآية الأخيرة، الآية الكريمة التي تسبقها مباشرة؛ نعني قوله تبارك وتعالى: “وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ” [الزخرف: 12]. إذ، من خلال هذه الآية، وعبر الارتباط بينها وبين الآيتين السابقتين، تتضح تمامًا دلالة مصطلح “الاستواء”، أي الاستقرار والتحكم.
هذه الدلالة، فضلا عن الحمولة الدلالية المُضافة عند نسبة “الاستواء” إلى الله سبحانه وتعالى، تتبدى عبر أكثر من آية كريمة، من آيات التنزيل الحكيم.. يقول عزَّ من قائل: “إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ” [يونس: 3].
إذ، لنا أن نُلاحظ التعبير القرءاني “ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ”، الذي يليه مباشرة – ودون أية فواصل – التعبير القرءاني “يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ”، بما يؤكد أن الاستواء على العرش هو “استعلاء معنوي”، يدل على كمال القدرة وتمام التدبير.
الرمز الأعلى
ولعل هذا، نفسه، ما يتأكد عبر قوله عزَّ وجل: “إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ” [الأعراف: 54]. وفي هذه الآية الكريمة، يأتي الخلق معطوفًا على الأمر “أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ”، بوصفه “إطارا” دالا على الاستقرار والتحكم لكليهما.. “ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ”؛ أي “تمام السلطة والسيادة في تدبير الخلق والأمر”.
بهذا الفهم، يمكن تدبر قوله تبارك وتعالى: “ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ” [الرعد: 2]. هنا، نرى ترتيبا دلاليا: الخلق أولا، ثم الاستواء والتسخير وتدبير الأمر وتفصيل الآيات؛ أي بعد إيجاد المكان المخلوق (السموات)، يظهر الرمز المعنوي المتعالي (العرش)، بوصفه رمز السيادة التي تُنظم وتتحكم في قوانين المكان المخلوق (الاستواء على العرش).
وبهذا الفهم، يكون هذا الأخير “الاستواء على العرش”، هو الإشراف الكلي على الوجود، لا داخل الكون ولا خارجه؛ بل مُحايثٌ له في تدبيره ومُتعالٍ عنه في ذاته.
وللحديث بقية.








