رؤى

الدكتور عمرو حلمي.. الجرَّاح الذي حمل مشرط الطب وهموم الوطن

فقدت مصر -منذ ساعات قليلة- ابنا من أخلص وأنقى أبنائها.. الدكتور عمرو حلمي وزير الصحة الأسبق، وأستاذ جراحة الكبد، وأحد قيادات الحركة الوطنية المصرية، حيث عرف الفقيد العمل السياسي وهو طالب بكلية الطب جامعة القاهرة أوائل السبعينيات، وكان في قلب الحركة الطلابية المطالبة باسترداد الأرض والكرامة في مواجهة نظام الرئيس السادات.. منذ ذلك الحين لم يُخلِ حلمي موقعه في ساح النضال من أجل حقوق الوطن ومواطنيه. حصل الراحل الكريم على الدكتوراه في الجراحة العامة عام 1981، وقد ارتبط اسمه مبكرا بمعهد الكبد القومي بجامعة المنوفية، حيث أصبح أحد أبرز رواد جراحات الكبد وزراعته في مصر، وتولى عمادة المعهد بين عامي 1999 و2002.

ولد حلمي بعد النكبة بعام.. فتفتح وعيه على مركزية القضية الفلسطينية في الوعي والوجدان المصري؛ لذلك كان توجهه قوميا عروبيا مؤمنا بمبادئ العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والوحدة العربية، على طريق الزعيم جمال عبد الناصر، وكان الجرّاح البارع وثيق الصلة طيلة حياته بالتنظيمات القومية والتيارات الناصرية المختلفة، مشاركا في فعالياتها الفكرية والسياسية، في شتى أقطار العالم العربي، ومدافعا عن المشروع الوطني المصري والعربي في مواجهة سياسات التبعية والتفريط.. كما كان عضوا في حركة الكرامة العربية، التي تحوّلت إلى حزب، كان حلمي أحد مؤسسيه البارزين.

ظهر حلمي بوصفه أحد الوجوه البارزة في الحركة الديمقراطية المصرية خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس حسني مبارك، وشارك في مختلف أشكال المعارضة السلمية المطالبة بالإصلاح السياسي واحترام الحريات العامة. وكان من بين الشخصيات التي أسهمت في تأسيس الحركة المصرية من أجل التغيير “كفاية” تلك الحركة التي مثّلت نقطة تحوّل مهمة في تاريخ المعارضة المصرية الحديثة، ورفعت شعارات رفض التوريث والاستبداد، وفتحت المجال أمام حراك سياسي واسع سبق ثورة يناير2011، بسنوات.

ولم يقتصر نشاط حلمي على المجال السياسي، بل كان من مؤسسي حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات، التي خاضت معارك طويلة دفاعا عن استقلال المؤسسة الأكاديمية ورفض الهيمنة الأمنية على الجامعات المصرية. وقد ظل يعتبر أن الجامعة الحرة هي الضمانة الحقيقية لإنتاج المعرفة وبناء المواطن القادر على التفكير المستقل.

وفي المجال النقابي كان الدكتور عمرو حلمي أحد أبرز المدافعين عن حقوق الأطباء وتحسين أوضاعهم المهنية والمعيشية. وشارك بفاعلية في الحراك النقابي الذي شهدته نقابة الأطباء خلال العقد الأخير من حكم مبارك، وكان من الداعمين البارزين لحركة “أطباء بلا حقوق” التي رفعت مطالب إصلاح المنظومة الصحية وتحسين أجور الأطباء ورفع ميزانية الصحة العامة.

على المستوى المهني.. كان الراحل من أوائل الأطباء الذين ساهموا في ترسيخ برامج زراعة الكبد في مصر، وشارك في عشرات العمليات الرائدة التي فتحت أبواب الأمل أمام آلاف المرضى. ولم يكن ينظر إلى الطب بوصفه مهنة فحسب، بل رسالة إنسانية، لذلك ظل حريصا على تطوير الخدمة الصحية العامة وإتاحة العلاج اللائق لكل المصريين، خصوصا الفئات الأقل دخلا- من خلال تطويره لبرامج العلاج بالتأمين الصحي.

خلال إضراب الأطباء التاريخي عام 2011، كان حلمي ضمن أعضاء اللجنة المنظمة للحراك، ومن أبرز الأصوات التي طالبت بإصلاح جذري لمنظومة الصحة المصرية إذ كان يرى أن الدفاع عن حقوق الطبيب لا ينفصل عن الدفاع عن حق المريض في خدمة صحية كريمة وآمنة.

وعندما تولَّى عمرو حلمي وزارة الصحة، في حكومة الدكتور عصام شرف عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير2011، ألقى أبناء المهنة والرأي العام على عاتقه آمالا عريضة وأحلاما كبيرة، ولم تكن تصريحاته الأولى بروتوكولية أو دعائية؛ بل لخَّصت رؤيته في عبارة بسيطة وعميقة حين قال إن أولويته أن يجد كل مريض “سريرا نظيفا ينام عليه”. وهي عبارة اختزلت فلسفته الإنسانية في إدارة الشأن الصحي، القائمة على احترام الإنسان قبل أي اعتبار آخر.

وخلال فترة توليه الوزارة سعى إلى تطوير المستشفيات الحكومية، وتوحيد نظم العلاج والتأمين الصحي وتحسين أوضاع العاملين بالقطاع الصحي، رغم الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي كانت تمر بها البلاد آنذاك.

كان الدكتور عمرو حلمي من جيل المثقفين الوطنيين الذين آمنوا بأن الطبيب مواطن قبل أن يكون مهنيا، وأن الدفاع عن صحة المجتمع يبدأ من الدفاع عن حريته وكرامته وحقوقه الأساسية. وعرفه كل من اقترب منه طبيبا متواضعا، ومثقفا واسع الاطلاع، ومناضلا هادئا لا يبحث عن الأضواء. كما كان حريصا على أن تبقى مواقفه منسجمة مع قناعاته، فلم يساوم على استقلاله الفكري، ولم يتخلَّ عن انحيازه للفقراء والمرضى وأصحاب الحقوق. وظلَّ نموذجا نادرا للطبيب الذي لم يكتفِ بعلاج المرضى، بل حمل هموم المجتمع والوطن إلى ساحات العمل العام والنقابي والسياسي، وظل حاضرا في معارك الدفاع عن الحرية والعدالة الاجتماعية واستقلال المؤسسات المهنية والأكاديمية.

برحيل الدكتور عمرو حلمي تطوي مصر صفحة من صفحات جيل الأطباء الوطنيين العظام الذين جمعوا بين العلم والانخراط في الشأن العام، بين المهنية الصارمة والالتزام الوطني.. وسيبقى اسمه حاضرا في ذاكرة الحركة الوطنية والقومية.. والذاكرة المهنية والنقابية، باعتباره واحدا من الرجال الذين آمنوا بقيمة الإنسان وكرامته وحقه في الحياة الحرة الكريمة. رحم الله الدكتور عمرو حلمي، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن مرضاه وتلاميذه وعن الوطن ومواطنيه خير الجزاء.

 

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى