مقدمة أصوات: علي عكس ما يزعم أمير بوغان في مقاله بيديعوت أحرونوت من أن إسرائيل في عهد المؤسسين، كانت دولة ديمقراطية ليبرالية تريد الانفتاح السلمي علي جيرانها- كان المؤسسون زعماء عصابات الهاجانا والأرجون مثل بيجين وشامبو الذين أصبحوا رؤساء الحكومة الإسرائيلية.
إسرائيل ولدت واستمرت دولة احتلال عنصري توسعي قامت علي طرد شعب من أرضه كما فعل المستوطنون اليوم في قرية تل بالضفة الغربية في قلب مناطق سلطة أوسلو الفلسطينية.
لكن قيمة هذا المقال رغم التبريرات الايدولوجية المضللة هو أنه يمثل اعترافا ضمنيا بأكبر إنجاز لطوفان الأقصى وهو تحوّل شباب أمريكا والغرب الذي سيقود بلاده خلال عقدين علي الأكثر.. صار معاديا للرواية الإسرائيلية وراغبا في فك عُرى التحالف غير المقدس بين أمريكا ودولة الاحتلال.
المقال:
هناك أربعة ملايين طالب أميركي أنهوا دراستهم هذا الصيف في آلاف الجامعات والكليات المنتشرة في أنحاء الولايات المتحدة. وسرعان ما يباشرون مرحلة جديدة في مكاتب المحاماة المرموقة، وفي وول ستريت، وهوليوود، وبرودواي، وكذلك في غوغل، ومايكروسوفت، وسائر شركات التكنولوجيا الكبرى في العالم. إنهم شبان وشابات موهوبون، في العشرينيات من العمر، سيقودون مستقبل الاقتصاد والعلوم والثقافة، وربما السياسة أيضا، في الولايات المتحدة والعالم بأسره. إنهم جيل المستقبل في أميركا، ومن الجدير بإسرائيل أن تبدأ منذ الآن بالتفكير في شكل هذا المستقبل، وما الذي سيعنيه لها منذ السابع من أكتوبر، إذ على خلفية الحرب المستمرة في غزة، ترسخت الحركة المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأميركية، ولاقت صدىً واسعا في أوساط كثيرين من الطلاب الذين باتوا ينظرون إلى أنفسهم بصفتهم ناشطين جريئين وملتزمين حيال الدفاع عن القضية الفلسطينية.
وغالبا ما تكون ردة الفعل الأولى على هذا الحراك الطلابي الصاخب الاستخفاف والازدراء، باعتبار أن هؤلاء الشباب مثاليون وسذّج في أفضل الأحوال، أو جهَلة في أسوأ الأحوال. ويُقال إنهم واقعون تحت تأثير قادة رأي تقدميين، ومدعومون بتمويل قطري، ولا يملكون معرفة حقيقية للصراع في الشرق الأوسط، أو تاريخه؛ ربما تبدو هذه النظرة المتعالية كأنها مبرَّرة للبعض، وربما لا. لكنها في كل الأحوال، لا تقدم حلا للأزمة الوجودية التي تواجه إسرائيل، في حين تزداد مواقف الرأي العام الأميركي الرافضة لها، بينما بدأت مظلة الدعم التي وفّرها لها بعض المسئولين في الإدارة الأميركية وأعضاء الكونغرس تُظهر علامات التآكل. واليوم، تؤيد أكثرية الأميركيين وقف المساعدات العسكرية التي تُقدَّم لإسرائيل من أموال دافعي الضرائب الأميركيين.
ولا يقتصر التراجع في مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة على هتافاتFree” Palestine” في الجامعات؛ فاستطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى تدهور حاد في صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي. وتبدو الصورة أكثر قتامةً بين فئة الشباب، إذ كوّن 75% ممن تتراوح أعمارهم ما بين 18 و29 عاما نظرة سلبية تجاه الحليف على الجانب الآخر من العالم، والذي حظيَ بمكانة استثنائية طوال عقود، بصفته أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة وأكثرهم استفادةً من دعمها.
وفي المقابل، لا يزال هناك في القدس مَن يرى المشهد بصورة معاكسة تماما، وكأن أنظار العالم ما زالت تتجه إلى إسرائيل على أنها “نور للأمم”. ربما كان هذا التصور صحيحا في مراحل سابقة، ولا سيما في نظر يهود الشتات الذين أغدقوا على دولتهم القومية الحب والدعم، فضلا عن المساعدات المالية السخية، لأنها الدولة اليهودية والديمقراطية التي كانوا يفاخرون بها.
ضعف الارتباط
لا تزال الجاليات اليهودية المتنوعة في الولايات المتحدة تحتفظ بعلاقة قوية بإسرائيل، لكنها علاقة آخذة في الضعف؛ فأنصار الصهيونية من الأجيال الأكبر سنا يستحضرون، بحنين، صورة “أرض الميعاد”، مثلما عرفوها في الماضي: دولة بناها الرواد الأوائل الذين “أحيوا الصحراء” وجسدوا -في نظرهم- المبادئ الليبرالية للحركة الصهيونية، بروح من الانفتاح على شعوب العالم. وإسرائيل التي يحملونها في ذاكرتهم هي دولة تسعى للسلام، وتقاتل دفاعا عن وجودها، لكنها تطمح دائما إلى الاندماج في محيطها الإقليمي.
ووفقا لهذه الصورة التي يراها كثيرون اليوم متجاوزةً للواقع، فإن تعثّر التوصل إلى اتفاق سلام كان يُعزى إلى الفلسطينيين والدول العربية، وجاءت هجمات السابع من أكتوبر لتُعتبر دليلا إضافيا على ذلك، في نظرهم.
لكن كيف تحوّل تاريخ السابع من أكتوبر، الذي يمثل في الوعي الإسرائيلي ذكرى واحدة من أكثر “المجازر” دمويةً، إلى رمز عالمي يُستحضر أيضا عند الحديث عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، رجالا ونساءً وأطفالا؟ لقد ساهمت مشاهد الحرب في غزة، إلى جانب اعتداءات المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية، في إحداث تحوّل ملحوظ في نظرة الأجيال الشابة.
فبينما لا يزال الجيل الأكبر متمسكا بصورة إسرائيل التي عرفها في الماضي، يزداد ابتعاد أبنائهم وبناتهم عنها، بل إن كثيرين منهم يعيدون النظر في علاقتهم بها، وفي السردية التي نشأوا عليها.
أولئك الطلاب -يهودا ومن غير اليهود- الذين خرجوا إلى الشوارع، مردّدين شعار “ليس باسمنا”، وأقاموا مخيمات احتجاج في حرم جامعة كولومبيا، وصوّتوا لزهران ممداني في انتخابات رئاسة بلدية نيويورك، وُلدوا قبل نحو عقدين من الزمن. وإسرائيل التي يعرفونها هي إسرائيل بنيامين نتنياهو؛ إسرائيل اليمينية، القومية، التي يرونها تنتهج سياسات قاسية حيال الفلسطينيين، وتُبقي الاحتلال قائما من خلال إدارة الوضع القائم، بدلا من العمل على إنهائه.
كان هؤلاء في الثامنة من عمرهم عندما التقى ممثلو إسرائيل والسلطة الفلسطينية للمرة الأخيرة في مفاوضات سياسية في سنة 2014، اعتبرها كثيرون شكلية، وجرت بضغط من البيت الأبيض، وبعضهم لم يكن قد وُلد بعد في أثناء الانسحاب الإسرائيلي من غزة، فضلا عن أنهم لم يعاصروا عملية أوسلو في تسعينيات القرن الماضي.
الجميع استغرب في إسرائيل كيف أن أوديا بينتو [مؤثرة وصاحبة محتوى إسرائيلية معروفة في أوساط الشباب] لم تتعرف إلى يتسحاق رابين [خلال برنامج تلفزيوني]، لكن أبناء جيلها في الولايات المتحدة ينتمون إلى جيل لم يشهد مرحلة رابين، ولا يعرفها عن قُرب، بل نشأ على صورة إسرائيل في عهد نتنياهو. ومن هذا المنطلق، ينظر كثيرون منهم إلى نتنياهو باعتباره زعيما مسئولا عن حرب مدمرة، ويقارنونه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وتتمثل ردة الفعل الفورية لدى كثيرين في اتهام هؤلاء الشباب بمعاداة السامية، أو بـ”معاداة الذات اليهودية” في حال كانوا يهودا. ولا شك في أن بعضهم يتخذ فعلا مواقف يمكن تصنيفها على هذا النحو، وربما يكون عددهم كبيرا. لكن يوجد بينهم أيضا أكاديميون بارزون، وطلاب مطّلعون، وأشخاص يتمتعون بقدر كبير من المعرفة والقدرة على التحليل. إن رؤيتهم للواقع أكثر تعقيدا، وأكثر مواكبةً للتطورات من رؤية آبائهم، وربما حتى من رؤية بعض فئات المجتمع الإسرائيلي التي ما زالت تنكر وجود الاحتلال، أو تتجاهل الوجود الفلسطيني، أو لا تدرك حجم التراجع الذي شهدته صورة إسرائيل في الرأي العام الدولي.
وبهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بمجرد إخفاق في “الدبلوماسية العامة”، أو في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، بل بأزمة أعمق تمسّ صورة إسرائيل ومكانتها؛ فالشباب الأميركي، بحسب هذا الطرح، لا يكتفي بالروايات الدعائية، بل يصوغ مواقفه، استنادا إلى ما يراه ويسمعه مباشرةً من سياسات وتصريحات الحكومة الإسرائيلية الحالية. وإذا كانت إسرائيل دأبت في الماضي على تبرير سياساتها بالقول إن الشرق الأوسط ليس سويسرا، فإن قيادتها اليوم، باتت تعلن بصراحة أنها لا ترغب أصلا في أن تكون دولة تشبه سويسرا؛ دولة هادئة، ليبرالية ومزدهرة. وإلى جانب الإخفاق في التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، ترسّخ خلال العقد الأخير انطباع، مفاده بأن الحكومة الإسرائيلية لم تعُد تسعى أصلا لاتفاق سلام، بل فضّلت الإبقاء على الوضع القائم، حتى باتت السلطة الفلسطينية عبئاً، في نظرها، بينما اعتُبر وجود حركة “حماس” عنصرا يخدم هذه السياسة.
من منظور إسرائيل في عهد بنيامين نتنياهو، لا يُنظر إلى الاحتلال على أنه مشكلة، بل إلى طريقة نظرة العالم إلى الاحتلال، باعتبارها هي المشكلة؛ غير أن الواقع -بحسب هذا الطرح- ليس أن العالم نسيَ إسرائيل، بل إن إسرائيل هي التي غفلت عن العالم. ومع ذلك، فإنها لا تستطيع الاستغناء عنه، لأن مستقبلها لا يتوقف عليها وحدها.
إن تنامي العداء لإسرائيل وسط الرأي العام الدولي لا يمثل في حد ذاته التهديد الوجودي الأكبر، بل إن الخطر الحقيقي ينبع من الداخل: من الإفراط في الثقة بالنفس، والغطرسة، والنزعة القومية، والإيمان المطلق بعدالة النهج المتّبع. هذه السمات أصبحت جزءا من رؤية الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، والتي ترسم سياساتها وفق تصورات أيديولوجية منفصلة عن الواقع، وتغذيها قناعات خلاصية تتجاوز الحسابات السياسية العملية.
يفضل هذا النهج تجاهُل التحولات الجارية في العالم والاعتراف بها واستيعاب دلالاتها؛ فالإصرار على تجاهُل المتغيرات الراهنة يحجب رؤية ما يمكن أن يحمله المستقبل، في وقتٍ ينشأ جيل جديد من الأميركيين ستكون له كلمة مؤثرة في السياسة والاقتصاد والثقافة. وعندما يصبح طلاب اليوم قادة الغد، فربما يديرون ظهورهم لإسرائيل، بعد أن رأوا إسرائيل، في نظرهم، تدير ظهرها للصورة التي آمن بها آباؤهم ذات يوم: إسرائيل التي اعتبروها دولة ديمقراطية، ليبرالية، تسعى للسلام، وتحظى بإعجابهم ودعمهم








