لم يكن العالم الإسلامي، في أواخر القرن التاسع عشر، يعرف بيئة للتعليم الديني أحسن حالا من دروس الجامع الأزهر، وبعض المساجد، مثل المسجد الأحمدي بطنطا، ولم تكن تلك البيئة أفضل حالا من المجتمع الذي يُحيط بها، فالفكر الديني ابن بيئته يتأثّر بها كما يُؤثّر فيها، فيُصاب بالجمود ويتحوّل إلى حالة من الترديد في المجتمعات الآسنة، ويُجدد نفسه، ويمضي بالإنسان إلى الأمام في المجتمعات الحيّة.
“فالبيئة تطْبع الإنسان بطابعها، وتحمله بقوّتها وسلطانها، على أن يعيش كما تعيش، ويُفكر كما تُفكر، ورغم ذلك يظهر، من الحين بعد الحين، أفرادٌ يجعل الله منهم مظهر رسالة خاصة إلى الأمة.. فينشأ الواحد منهم “برأسه” أو أمّة في نفسه، لا يتأثر ببيئته، ولا يتقيد بقيودها، ولا يزن الأشياء بميزانها، بل بالعكس يؤثر هو فيها، ويقتحم عليها حصونها، ويعيش معها ما عاش في كفاح وجلاد، وهو في كل يوم يفتح فتحا جديدا ويدكّ حصنا عنيدا، ويتعهد من وراء ذلك بذوره التي يضعها حتى ترسخ أصولها، وتسمق فروعها، وتؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربها أولئك هم المصلحون في كل زمان ومكان: منهم رسل الله المبلّغون عنه، المؤيَّدون بوحيه، ومنهم دون ذلك من عباقرة الأمم وأفذاذ التاريخ، ولقد كان الشيخ محمد عبده من هؤلاء العباقرة الذين عصمهم الله من التأثر ببيئاتهم ومكّنهم من التأثير فيها”.([1])
لم يتحمل محمد عبده، وهو ابن الثامنة عشرة، دروسَ الجامع الأحمدي، ولم يرضَ بطلبِ شيوخه أن يسمع ويحفظ جيدا، مستعينا بالمتون، وأن يكفّ عن كثرة الأسئلة التي وصفوها بأنّها مضيعة للوقت، وتشتيت للذهن، ففُوجئ -كما يروى عن ذكرياته- بالمدرسين يستخدمون اصطلاحات نحوية وفقهية غير مفهومة، ويأخذون المبتدئ بما يأخذ المنتهي في التعليم، فالطالب المبتدئ يبدأ بإعراب البسملة في أول دروس النحو، ولم يكن قد عرف شيئا عن الإعراب.
فقرر أن يرجع إلى قريته؛ ليشتغل مع إخوته بالفلاحة، وهذا ما رفضه أبوه، فأعاده رغما عنه إلى دروس الجامع الأحمدي بطنطا، فهرب مرة ثانية ليس إلى قريته بل إلى قرية “كنيسة أورين” بمحافظة البحيرة؛ حيث يعيش خالُ أبيه الشيخ درويش الذي أخذ محمد عبده بطريقة في التعليم أنفع من طريقة الأزهر والجامع الأحمدي، وهي فتْحُ بابِ النّقاش لكلّ سؤال يجول بخاطره، والتفكير معه، ليس بهدف الإجابة؛ بل بهدف التدريب على التفكير وتقليب الاحتمالات، بما يُوقظ العقل من سباته ويحرّره من الاستسلام الكامل لأفكار غيره.
وجد محمد عبده في كتب الشيخ درويش عاطفة وروحانية لم يجدها في متون دروس الجامع الأحمدي الجافّة، فقرآ معا رسائل السيد محمد المدني الطرابلسي؛ التي تتضمن شيئا من معارف الصوفية في آداب النفس، وترويضها على مكارم الأخلاق، وتزهيدها في الباطل.
وبدأ يتميّز في عقله، للمرة الأولى، الفرق بين إسلام الوحي وتدين المسلمين الذي يُظنّ أنّه الإسلام، يقول: “سألت الشيخَ درويش: ما هي طريقتكم؟ فقال: طريقتنا الإسلام، فقلتُ أو ليس كلّ هؤلاء بمسلمين؟ قال: ولو كانوا مسلمين لما رأيْتهم يتنازعون على التّافه من الأمر، ولما سمعتهم يحلفون بالله كاذبين بسببٍ وبغير سببٍ”.
ويستطرد الإمام معلقا على أثر هذه العبارات في نفسه، قائلا: “هذه الكلمات كأنّها نار أحرقت جميع ما كان عندي من المتاع القديم، متاع تلك الدعاوى الباطلة، والمزاعم الفاسدة، متاع الغرور بأننا مسلمون ناجون، وإن كنّا في غمرة ساهية”.
تخلّى الإمام محمد عبده عن كراهيته للعلم، الذي فرّ منه، وقرّر أن يكون هو النموذج الذي ينبغي أن يكون عليه الباحث في العلم، وأقبل على الدرس والتحصيل، وأمعن الفكر فيما يقرأ، وتولّد بداخله -على خلاف شيوخه وأقرانه- حبٌّ أكثر للسؤال والبحث والتفكير، شجّعه عليه الشيخ درويش، فلولاه لانصرف الشيخ محمد عبده عن العلم إلى غيره، أو ربما تخرّج من الأزهر خامل الفكر.
أمضى محمد عبده خمسة أعوام من الدراسة في الجامع الأحمدي، التحق بعدها بالأزهر في منتصف شوال ١٢٨١هـ/١٨٦٦م، فأخذ من شيوخه على طريقتهم في التعليم، حتى التقى بجمال الدين الأفغاني([2]) في شهر المحرم ١٢٨٧هـ، واستمع إلى دروسه في الرياضيات والفلسفة، وهي علوم جديدة لم يكن قد سمع عنها من قبل، غير أنّ مشايخه في الأزهر حذّروه من تلك “العلوم الشيطانية”، وأخذوا، كما يحكي الشيخ “يتقوّلون على السيد جمال الدين الأفغاني وعليّ الأقاويل، ويزعمون أنّ تلقي تلك العلوم قد يُفضي إلى زعزعة العقائد الصحيحة”.

وكان مشايخ الجامع الأزهر، في ذلك الوقت، على حدّ وصف الشيخ عبد المتعال الصعيدي، “يجمدون على علومهم القديمة، ويعيشون في عزلة عن العالم، فلا يشعرون بما أصاب الإسلام والمسلمين، ولا يهمّهم إلا أنفسهم داخل الأزهر، كأنهم رهبان في دَيْر، وليس عليهم مسئولية أمام الله عن إهمالهم في شأن دينهم ودنياهم، وفي شأن المسلمين الذي أوقعوهم مثلهم في جمودهم. فاتصل الشيخ محمد عبده بجمال الدين يأخذ عنه في المدّة التي أقامها بمصر، وكانت على قصرها صاحبة الأثر في حياته، ولولاها لقضى حياته في ركود كما قضاها غيره من علماء الأزهر، وظهر هذا الأثر فيه وهو لا يزال طالبا، فكان يدرّس بعض الكتب في الأزهر على طريقة أستاذه جمال الدين، لا يجمد فيها على مذهب في الأصول أو الفروع، بل يأخذ بما يقوم عليه الدليل الصحيح”. ([3])
دخل الشيخ محمد عبده في حيرةٍ لم تطل؛ ففي إجازته التي يقضيها في قرية “كنيسة أورين” جلس يحكى للشيخ درويش عن تحذيرات شيوخه له من الاستماع إلى دروس الفلسفة والرياضيات، وهنا جاء دور “الشيخ درويش” في الردّ على هذه الأقاويل بحجة بسيطة ومقنعة، قائلا: فيقول: “لا شيء من العلم ممقوت عند الله، ولا شيء من الجهل محمود لديه، إنّ الله هو العليم الحكيم، وإنّ أعدى أعداء العلم هو الجاهل، وما تقرّب أحد إلى الله بأفضل من العلم والحكمة”.
بهذا المعنى انفتح الإمام محمد عبده على علوم الشرق والغرب، فصنع لنفسه مسارا إصلاحيا خاصا به، اختلف عن مسار أستاذه، جمال الدين الأفغاني، منتهيا من تجربته مع الشيخ درويش إلى أنّ العلم الشرعي شيء آخر غير المفهوم الذي ما يزال متداولا في ثقافتنا، فيحكي الشيخ محمد مصطفى المراغي أنّ أستاذه، الإمام محمد عبده، سأله بعد تخرّجه: ما العلم؟ يقول: “فأخذت أعرّفه له بما هو مشهور من أقوال العلماء، فلما انتهيت ردّ عليه الشيخ محمد عبده قائلا: العلم هو ما ينفع الناس، وكلّ ما لا ينفع النّاس لجموده، وبُعده عن عصرهم، ليس بعلم”.
وهذا ما فعله الشيخ المراغي عندما تولّى منصب قاضي القضاة، وشكّل لجنة إعداد قانون الأحوال الشخصية، فكلّفها بعدم التقيّد بالمذاهب الأربعة، كأوّل خرْق للتقليد، وطالبها أن تختار من بين المذاهب الإسلامية أيسر الأحكام التي تُوافق الزمان والمكان، وكان من ثمرة ذلك قانون “الوصيّة الواجبة”.

وهذا ما تعلّمه الشيخ محمود شلتوت في فتاويه؛ حين قرّر أن معرفة الحلال والحرام لا تكون بعرْض ما قيل في الكُتب، وأُثر عن الفقهاء، بل بإعمال عقل المفتي ودعوة المستفتي لإعمال عقله، الذي هو حجة الله على عباده في التعرّف على الحدّ الأوسط في مقتضيات الغريزة، التي لا بدّ منها في كلّ إنسانِ سويّ، فالوحي لم ينزل لانتزاع غريزة حبّ المال، إنما نزل بتعديلها على الوجه الذي لا جشع فيه ولا إسراف، ولا انتزاع غريزة حبّ المناظر الجميلة، وسماع الصوت أو النغم الممتع، لكن أراد تهذيب الغريزة وتعديل مسارها إلى ما لا ضرر فيه، ولا يصحبه شرّ، فهداية الوحي تُنظّم غريزة الإنسان على النحو الذي يصون الفرد والمجتمع.
مضت عشرات الأعوام تحرّك معها مسار إصلاح الفكر الديني، حركة متباطئة؛ فما يزال الإصلاح أحاديا يتعهده رُوّاد الإصلاح واحدا تلو الآخر، غريبا غربة العقل في مجتمعاتنا، نُخبويا غير قادرٍ على التغلغل في أعماق الأوساط الدينية والاجتماعية، عاجزا عن أن يتحوّل إلى تيار عام يهزّ ضمير الأمة، ويُوقظ شعورها بالمسؤولية تجاه مستقبلها.
([1]) مجلة الرسالة، عدد ٥٧٦، ١٧يونيو ١٩٤٤.
([2]) محمد جمال الدين بن السيد صفتر الحسيني الأفغاني وُلد بأسعد أباد من أعمال كابل بأفغانستان سنة ١٢٥٤هـ- ١٨٣8م، انتقل مع والده إلى كابل حيث تعلّم علوم العربية والعلوم الدينية والفلسفية على اختلاف أنواعها، ثم رحل إلى الهند، فدرس العلوم الحديثة، وأتقن اللغة الإنكليزية، فجمع بهذا بين الثقافة القديمة والحديثة. وبعد أن رأى ما حَلّ بالهند من استعمار الإنكليز لها خرج لأداء الحجّ ودعوة المسلمين في موسم الحج إلى فكرة الجامعة الإسلامية، وأنشأ جمعية ومجلة أم القرى في مكة سنة ١٢٧٣هـ – ١٨٥٧م، ثم عاد إلى أفغانستان، واتّصل بأميرها دوست محمد خان، ثم اتّصل بعده بالأمير محمد أعظم، فجعله رئيس وزرائه، وبعد أن عزل الإنكليز الأمير محمد، حاول جمال الدين إثارة الشغب الأفغاني على الإنكليز، غير أنه لم ينجح فرحل إلى الهند، وأخذ يعمل على إحداث ثورة إسلامية عامة على الإنكليز، ويدعو إلى الإصلاح الديني والسياسي والعلمي والاجتماعي بين أهلها حتى ضاق الإنكليز به، واضطروه إلى أن يرحل من الهند إلى مصر سنة ١٢٨٦هـ – ١٨٧٠م، فأقام بها أربعين يوما رحل بعدها إلى إستانبول بدعوة من السلطان عبدالعزيز الذي قرّبه إليه، وأمر بتعيينه عضوا في مجلس المعارف، فقام بإصلاحات أثارت الجامدين من رجال الدين، فناهضوه، وطعنوا في عقيدته، وكان الأفغاني في طبعه حدة وشدّة، فقابل ثورتهم بمثلها حتى رأت الحكومة العثمانية أنّه لا سبيل إلى التهدئة إلا بأمره بالرحيل عن استنابول، فرحل عنها إلى مصر سنة ١٢٨٨هـ -١٨٧١م، وظلّ بها ثمانية أعوام نُفي بعدها إلى الهند، فأقام بها ثلاث سنين، وآثر فيها الاشتغال بالعلم، وترك الاشتغال بالسياسة، وألّف في هذه المدة كتاب “الرد على الدهريين” الذي عُني فيه بردّ المطاعن الحديثة متجاوزا نطاق الكتب القديمة التي ركّزت على الشبه القديمة. رحل عن مصر بأمر من الخديوي إلى الهند قبيل اندلاع ثورة عرابي، وفي الهند عمل على إحداث ثورة ضد الإنكليز، فضيّقوا عليه حتى رحل منها إلى باريس، وهناك دعا الشيخ محمد عبده للحضور إليه من بيروت، وأصدرا معا مجلة العروة الوثقى التي توقفت بعد عشرة شهور، عاد بعدها الشيخ محمد عبده إلى بيروت، ومكث جمال الدين في أوروبا إلى أن دعاه سلطان فارس ناصر الدين شاه، فسافر إليه سنة ١٣٠٣هـ -١٨٨٦م، فقرّبه ناصر الدين شاه إليه، وعيّنه وزيرا للحربية على أن يجعله بعد هذا رئيسا لوزرائه، فقام بدعوته الإصلاحية في فارس حتى كثر أنصاره فيها، وقوي سلطانه، فخافه ناصر الدين شاه على سلطانه، وخشي منه الجامدون من العلماء على سلطانهم، فضيّقوا عليه، فاستأذن جمال الدين سلطان فارس في أن يأذن له في رحلة إلى روسيا، فساح مدة فيها، ثم انتقل منها إلى فرنسا، وهناك التقى به سلطان فارس ناصر الدين شاه مرة أخرى، وألحّ عليه في العودة معه إلى فارس؛ ليستكمل دعوته الإصلاحية، ويُسند إليه رئاسة وزرائه، فقبل إلا أنّه عندما أراد أن يُقيم حكومة دستورية على نظام حكومات أوروبا، قاومه أعداء الإصلاح من علماء الدين وغيرهم، وأفسدوا ما بينه وبين ناصر الدين شاه؛ حتى نفاه من فارس، فقصد جمال الدين العراق، ثم قصد إنجلترا، فأقام بها، وأنشأ مجلة ضياء الخافقين، نهج فيها منهج العروة الوثقى، حتى دعاه السلطان عبدالحميد سنة ١٣١٠هـ -١٨٩٢م إلى إستنابول، وعاش مقربا في جواره، إلا أنه كان أشبه ما يكون بالسجن شديد الحراسة، فكانت جواسيس الخليفة تُحصى عليه حركاته وسكناته، حتى تُوفي سنة ١٣١٤هـ -١٨٩٦م. (ينظر: المجددون في الإسلام، ص ٣٧٤:٣٧٠)







