في الأول من سبتمبر الجاري، نشر المعهد الملكي للشئون الدولية (تشاتام هاوس) تقريرا بعنوان: هل تستطيع طموحات باكستان الخارجية الصمود أمام تحدياتها الداخلية؟ خلص فيه إلى أن المكاسب الجيوسياسية التي حققتها إسلام آباد مهددة بسبب تصاعد العنف في بلوشستان وخيبر بختونخوا.
لكن السؤال الذي طرحه التقرير البريطاني يتجاوز حدود الأمن الداخلي الباكستاني إلى مسألة أكبر: هل تستطيع دولة مضطربة “داخليا” أن تلعب دور الوسيط في أزمات إقليمية ودولية بالغة التعقيد؟
خلال نحو عام ونصف، تحركت باكستان من موقع الدولة التي تحاصرها أزماتها الاقتصادية والأمنية وعلاقتها المتوترة بجيرانها، إلى دولة تحاول أن تقدم نفسها بوصفها قناة اتصال بين قوى متعارضة، وأن تحول موقعها الجغرافي وقدرتها العسكرية وشبكة علاقاتها إلى نفوذ سياسي.
في مايو 2025، دخلت باكستان مواجهة عسكرية كبرى مع الهند، كشفت المعركة حدود قدرة نيودلهي على فرض نتيجة سريعة بالقوة، وأعادت تثبيت أهمية باكستان في الحسابات الأمنية لجنوب آسيا. إذ أثبتت القوة العسكرية الباكستانية في تلك المعركة أنها ما زالت قادرة على جعل أي صدام واسع مع الهند، أزمة دولية لا تستطيع القوى الكبرى تجاهلها. فرغم تفوّق الهند على باكستان بفارق كبير اقتصاديا وسكانيا ومن حيث الموارد المتاحة للدولة، لكن هذه الفوارق لم تتحول خلال مواجهة مايو إلى قدرة على حسم سريع للصراع. أعاد هذا إسلام آباد إلى موقع أكثر أهمية في الحسابات الأمريكية والإقليمية. كما أعاد الجيش الباكستاني إلى قلب المشهد الدبلوماسي. ثم جاءت الحرب الأمريكية الإيرانية في 2026، لتفتح أمام إسلام آباد نافذة دبلوماسية جديدة؛ لتتحول القوة العسكرية الباكستانية إلى رأسمال سياسي، والموقع الجغرافي إلى أداة تفاوض، والعلاقات القوية مع أطراف الصراع إلى مصدر نفوذ. ليظهر قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، باعتباره أحد أبرز المتحاورين في الاتصالات بين واشنطن وطهران، بحسب تشاتام هاوس.
المسار الباكستاني تحوّل إلى عملية وساطة متدرّجة: اتصالات، نقل رسائل، استضافة محادثات، ثم محاولة تحويل هذه الاتصالات إلى إطار سياسي قابل للاستمرار.
وفي أبريل 2026، استضافت إسلام آباد محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لفتح طريق تفاوضي وسط الحرب والتصعيد. لم تسفر المحادثات عن اتفاق نهائي، لكن مذكرة تفاهم وقّعت بين البلدين في 17 يونيو 2026، وفي اليوم التالي، رحب الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري بالمذكرة، وأشاد بما وصفه بالجهود الدبلوماسية التي بذلها رئيس الوزراء شهباز شريف ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار وقائد الجيش عاصم منير وغيرهم من المسئولين الباكستانيين. وفي 21 يونيو، بدأت محادثات فنية في بورغنشتوك بسويسرا، بمشاركة الولايات المتحدة وإيران، وبوساطة باكستان وقطر. وأكدت الخارجية الباكستانية أن إسلام آباد ستواصل تيسير العملية بصفتها وسيطا.
وفي 22 يونيو، أعلنت باكستان وقطر انتهاء الاجتماع الأول للجنة العليا، مع الاتفاق على إنشاء آلية للمفاوضات الفنية، وخارطة طريق للتوصل إلى اتفاق نهائي، إلى جانب آلية اتصال لتجنب سوء الفهم والحوادث.
من خلال تلك الوساطة حققت باكستان العديد من المكاسب.. لقد تحوّلت من دولة كانت صورتها الخارجية ترتبط بدرجة كبيرة بالأزمات الأمنية والاقتصادية، لدولة قادرة على التواصل مع واشنطن وطهران، وتوفير قناة للتفاوض في واحدة من أخطر أزمات المنطقة. وهو ما يعني تعزيز موقع القيادة الباكستانية في العلاقات الدولية. كما أنَّ باكستان دولة شديدة الحساسية تجاه أسعار الطاقة واستقرار الخليج، وأي حرب طويلة بين الولايات المتحدة وإيران تهدد مصالحها مباشرة. لذلك فمسألة إنهاء الحرب ليس مجرد مسألة دبلوماسية بالنسبة إلى إسلام آباد؛ بل مصلحة اقتصادية وأمنية مباشرة.
في السابع من أغسطس 2026، وقعت باكستان والسعودية وتركيا، اتفاق مكة للدفاع المشترك.
وينص الاتفاق على أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوما عليها جميعا، بما يضع الدول الثلاث في إطار من التعاون الدفاعي الجماعي. وقد شبّه بعض المراقبين الاتفاق بصيغ الدفاع الجماعي المعروفة في أحلاف أخرى، لكن المسئوليات العملية التي قد تترتب عليه ظلت بحاجة إلى مزيد من التحديد والإجراءات. وهنا ارتفع مستوى الدور الباكستاني من مجرد الوساطة في أزمة محددة إلى المشاركة في ترتيبات أمنية إقليمية أوسع.
لكن الداخل لا يمنح إسلام آباد الوقت الكافي لحصد المزيد من المكاسب، فقد شهد شهر يوليو 2026، مقتل 606 أشخاص، في أحداث مرتبطة بالهجمات المسلحة والعمليات الأمنية، بينهم 112 من قوات الأمن و401 من المسلحين و74 مدنيا و19 من أعضاء لجان السلام. وكان يوليو أكثر شهور العام دموية حتى ذلك الوقت. وفي بلوشستان، بلغ إجمالي القتلى 372 شخصا في يوليو، و109 قتلى في يونيو. أما خيبر بختونخوا الرئيسية، باستثناء المناطق القبلية المدمجة، فسجلت 154 قتيلا في يوليو مقابل 75 في يونيو، بزيادة بلغت 105%.
في بلوشستان، ترتبط حركة التمرد البلوشية بمظالم سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، من بينها المطالب المتعلقة بالتمثيل السياسي وتوزيع الموارد والتحقيق في مصير المختفين.
وفي المقابل، تتهم السلطات الباكستانية المتمردين البلوش بأنهم يعملون بدعم من قوى خارجية، بينما تُرفض هذه الاتهامات من الجانب الهندي. أما في خيبر بختونخوا، فالمشهد يرتبط بدرجة أكبر بحركة طالبان باكستان (TTP) وبالتوتر المتزايد على الحدود مع أفغانستان. وتتهم إسلام آباد السلطات الأفغانية بالسماح بوجود ملاذات للحركة، بينما تنفي كابول ذلك.
يقول تقرير تشاتام هاوس صراحة أن المكاسب الجيوسياسية التي حققتها باكستان مهددة بسبب عجزها عن احتواء الاضطراب الداخلي، لأن السياسة الخارجية تبدأ من الداخل.
لا شك في أن قوى خارجية تستفيد من انشغال باكستان بصراعاتها الداخلية؟ لكن هذا لا يكفي لإثبات وجود «غرفة عمليات» خارجية تدير كل مظاهر العنف في باكستان. والتفسير الأكثر واقعية هو النظر إلى المسألة باعتبارها تفاعلا بين ثلاثة مستويات: مظالم محلية حقيقية، وتنظيمات مسلحة تستثمر تلك المظالم، وقوى خارجية قد تحاول استغلال الصراعات القائمة أو دعم أطراف فيها أو توظيفها لمصالحها. لكن هنا ثمة مفارقة.. فمن الممكن أن يكون العنف الداخلي عاملا في إضعاف الدور الباكستاني، وفي الوقت نفسه سببا في زيادة أهمية باكستان بالنسبة إلى الخارج!
فكلما أصبحت باكستان أكثر أهمية في إدارة الأزمات الإقليمية، كان استعادة استقرارها أكثر أهمية للدول التي تعتمد على هذا الدور، فإذا كانت واشنطن تحتاج إلى قناة اتصال مع طهران، وإذا كانت السعودية تحتاج إلى شريك أمني، وإذا كانت الصين تحتاج إلى بيئة مستقرة لحماية مصالحها ومشروعاتها، فإن انهيار الاستقرار الباكستاني يصبح مشكلة لهذه القوى نفسها.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الدعم الخارجي لباكستان بوصفه استثمارا في استقرار دولة ذات وظيفة جيوسياسية مهمة. فهل تستطيع باكستان تحويل نفوذها الخارجي إلى مصدر للاستقرار الداخلي، أم أن أزماتها الداخلية ستلتهم المكاسب التي حققتها خارج حدودها؟








