ثقافة

صلاح عبد الصبور.. كيف قتل «التطبيع» صاحب «مأساة الحلاج»؟

لم يكتف الرئيس الراحل أنور السادات بتوقيع اتفاقية سلام منفرد مع العدو الصهيوني، عزل بها مصر عن محيطها العربي، لكنه حاول بخطى متسارعة تطبيع العلاقات بين القاهرة وأصدقائه في تل أبيب، سعى الرجل إلى تحويل أعداء الأمة العربية ومغتصبي أرضها إلى حلفاء وشركاء؛ وهو ما لم يقبله الشعب المصري، الذي قاوم مبكرا كل محاولات إقناعه بالتنازل عن حقوقه وطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة مع أعدائه.

نشطت في تلك الفترة لجان مقاومة «التطبيع»، وقادت النقابات المهنية وأحزاب وصحف المعارضة وكُتاب ومثقفين جبهة الرفض، وتمكنت بعد معارك من عرقلة محاولات السادات لفرض العلاقة مع تل أبيب على الشعب المصري، ومع الوقت صار مصطلح «التطبيع» مرادفا للخيانة، وصار العار يلاحق كل من تلتصق به تلك التهمة المشينة.

«أنت بعت يا صلاح»، أطلق الفنان بهجت عثمان رسام الكاريكاتير تلك الجملة لتصيب قلب الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور، ليلفظ بعدها بساعات صاحب «مأساة الحلاج» أنفاسه الأخيرة متأثرا بالعار الذي لاحقه إثر قبوله بحكم منصبه كرئيس للهيئة العامة للكتاب مشاركة إسرئيل في معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير عام 1981، وغضه الطرف عن ملاحقة قوات الأمن للشباب الذين تظاهروا في المعرض احتجاجا على رفع علم الأعداء إلى جوار علم فلسطين.

بهجت عثمان
بهجت عثمان

قطوف من الذاكرة:

ويروي السفير صلاح شعراوي في كتابه «قطوف من الذاكرة التاريخية»، الصادر عن الهيئة العامة للكتاب تفاصيل قصة مشاركة إسرئيل في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1980، ودور السادات في صدور قرار المشاركة رغم محاولة وزير الثقافة تعطيله، وكشف محاولة الشاعر صلاح عبد الصبور الذي مات كمدا بعد أن وُصم بـ«التطبيع» إلغاء القرار؟.

تحت عنوان «إسرائيل ومعرض الكتاب سنة 1981»، كتب شعراوي الذي كان يتولى في بداية ثمانينيات القرن الماضي منصبا رسميا في وزراة الخارجية: «في يناير 1981 تلقيت مكالمة من القائم بالأعمال الإسرائيلية في القاهرة يطلب فيها مقابلة عاجلة ومهمة، وذلك بناءً على تعليمات من المستر بيجين رئيس الوزراء.. وفي خلال ساعة حضر لمكتبي وأخبرني بأن سفيره في إجازة، وأنه سيصل القاهرة الليلة بناء على تعليمات المستر بيجين».

طلب القائم بالأعمال الإسرائيلية موعدا للسفير في اليوم التالي مع وزير الخارجية، ليسجل احتجاجه على رفض مصر لطلب إسرائيل الاشتراك في معرض الكتاب، «أبلغت وزير الخارجية كمال حسن علي، بمحتوى ما سمعته، فحدد موعدا لمقابلة السفير في اليوم التالي في تمام الواحدة ظهرا في مبنى وزارة الخارجية بالجيزة.. وطلب مني الاتصال بالسيد صلاح عبدالصبور رئيس الهيئة العامة للكتاب والمشرف على المعرض لمعرفة جوانب الموضوع».

كمال حسن علي
كمال حسن علي

التقى شعراوي بعبد الصبور وسأله عن رفضه مشاركة إسرائيل في المعرض، فرد بأنه لم يرفض، وتحجج أنها تأخرت في الرد على حجز أحد الأجنحة المخصصة للدول في الموعد المحدد لذلك، وأنه لو استثناها فسيغضب ذلك بعض الدول التي تم رفضها لتأخرها في الرد، «حمد عبد الصبور الله لعدم وجود حجية قانونية لاشتراك إسرائيل لأن هذا سيُعرّض المعرض لمشاكل عديدة مع الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية والتي ستشترك في المعرض لأول مرة، وأنه يخشى أن يكون المعرض ميدانا لصراع (عربي – إسرائيلي)».

السادات يفرض إسرئيل على المعرض

عاد شعراوي إلى الوزراة وأخبر الوزير بمحتوى لقائه مع عبد الصبور، وفي اليوم التالي استقبل الوزير كمال حسن علي السفير الإسرائيلي، ودافع بقوة عن موقف مصر، وأخبره أن أجهزة الأمن كان لها تحفظ على الموضوع من البداية.

وخلال لقاء وزير الخارجية المصري بالسفير الإسرائيلي، تلقى السفير صلاح شعراوي خبرا من قسم الاستماع بالوزارة بأن راديو تل أبيب أعلن عن موافقة الرئيس السادات على مشاركة إسرائيل في المعرض، «أسرعت بإفادة السيد الوزير، الذي استطاع بلباقة أن يوجد مخرجا للهجته وحججه الأولى، وأخبر ضيفه أن وزارة الخارجية ستسعى بقدر الإمكان على إقناع جهات الأمن بالموافقة على اشتراكهم».

وتابع شعراوي: «اتصلت بمدير مكتب وزير الإعلام عسى أن يفيدني عما حدث من تطورات أدت إلى تغيير موقفنا.. أمهلني بعض الوقت، ثم اتصل بي وأخبرني بأن السيد أنيس منصور اتصل بالسيد الرئيس وحصل منه على الموافقة.. ولما أردت التأكد شخصيّا من السيد أنيس منصور حصلت على رقم تليفون سيارته، واتصلت به عما إذا كان خبر الاشتراك صحيحا، فأجاب بأن بعض الكتاب الإسرائيليين اتصلوا به وأبدوا دهشتهم من موقف مصر رغم وجود معاهدة بينهما، وأنه لا يرى ما يمنع من التجاوب مع رغبة هؤلاء الكتاب، ثم اتصل بالرئيس السادات وحصل على موافقته».

السادات وأنيس منصور
السادات وأنيس منصور

ورغم عاصفة الغضب التي انتابت الأوساط السياسية والثقافية، تم تخصيص جناح في معرض الكتاب لدولة الاحتلال، وافتتحت جيهان السادات حرم الرئيس دورة المعرض، في حضور وزير الإعلام منصور حسن، ورئيس الهيئة العامة للكتاب صلاح عبد الصبور، واحتشد المئات من مقاومي «التطبيع» للاحتجاج على مشاركة الأعداء في المعرض، وتعاملت قوات الأمن بعنف مع المتظاهرين الذين اقتلعوا العلم الإسرائيلي وأجبروا سفير تل أبيب على مغادرة المعرض تحت حراسة أمنية مشددة.

اعتقلت قوات الأمن العشرات من الغاضبين وهم يوزعون بيان للجنة «الدفاع عن الثقافة القومية» التي تأسست عقب اتفاقية كامب ديفيد، وتعرض صلاح عبد الصبور لهجوم وقاطع الحضور كلمته أكثر من مرة، وصدرت العديد من البيانات التي تندد بموقفه، واتهمه مثقفون بأنه خان القضية، وأنه حول مكتبه في المعرض إلى مقر لاحتجاز وتعذيب المعتلقين الذين ألقت قوات الأمن القبض عليهم وهم يهتفون ضد إسرائيل.

تفاصيل الليلة الأخيرة

ويروي وزير الثقافة السابق جابر عصفور تفاصيل الليلة الأخيرة لصلاح عبد الصبور فيقول: «التقينا صلاح وزوجته سميحة غالب وابنتيه مي ومعتزة، وأمل دنقل وزوجته عبلة الرويني والرسام بهجت عثمان نجم الحركة الشيوعية المصرية في الكاريكاتير، من روز اليوسف وكان يئن من التطبيع والانفتاح الاقتصادى في منزل الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي».

«أما عن خلفية الليلة، فهي أن عبد الصبور فوجئ خلال افتتاح دورة 1981 من معرض الكتاب بدماء الشباب المصري الثائر، الذي كان يصر عبد الصبور أنه منه، تنير مكتبه وأوراقه، إذ إن عبد الصبور كان له مكتب داخل المعرض، كالعادة، ولكن الشباب اعترض بقسوة على مشاركة إسرائيل العلنية في مرة واضحة صريحة عقب اتفاقية كامب ديفيد، إذ تشارك إسرائيل بقوة في الحياة المصرية كلها، لكن دون صراحة أو إعلان عن ذلك».

ويضيف عصفور في مقال له: فهم عبد الصبور أن مكتبه تم اتخاذه لمكان لتعذيب المعارضين لاشتراك إسرائيل في المعرض، وأن الأمن المصري آنذاك قام بالأمر غير عابىء به كرئيس للهيئة العامة للكتاب ولا بسمعته كشاعر محسوب على المُناضلين، ولكن عبد الصبور صمت طمعا في مزيد من التقرب من السلطة، وخوفا من بطشها وتنكيلها به.. وتردد بقوة آنذاك أن عبد الصبور كان يريد الوصول لمنصب وزير الثقافة لذا لم يستقل من رئاسة الهيئة بعد واقعة الدماء.

جابر عصفور
جابر عصفور

استمر الألم في قلب الشاعر يعمل داخل نفسه فيؤرقها ويضنيها نتيجة تخاذله في أخذ موقف مناسب من تعذيب وربما قتل لمواطنين دافعوا عن حق الوطن في ألا يلوثه الغاصبون من الصهيانة ببذائتهم بخاصة في معرض الكتاب، حتى ليلة 14 من أغسطس من نفس العام، وبعد أشهر على نهاية المعرض.

واشتد حر الصيف على المجموعة في بيت حجازي، فانسحبوا إلى البلكونة ليستمعوا إلى قصيدة للشاعر عبد الرحمن الأبنودي تقول بالعامية المصرية:

دلوقت عاوز تعيش؟/ عيش الحياة الغلط/ عيش المعاني الغلط

وابلعها ما هياش زلط/ تنح وعدي وفوت / وامشي ودوس ع العباد

وامشي ودوس ع القوت/ واتدارى تحت العبط/ هذا أوان الأونطة

والفهلوة والشنطة/ تعرف تقول جود نايت/ وتفتح السامسونايت

و تبتسم بالدولار/ تقفل بيبان الوطن / وتقول بتفتحها/ وترمي مفتاحها

و تبيع في أمك و أبوك/ عيش: بُن.. جبنه.. لواري/ ملعون أبوها الحواري

أما القرى/ فدي في بلد تانية/ و مجتمع تاني/ وداع يا أرض الوطن

تحت الطوفان الجديد/  يا ضحكة التجار

هي اللي حتوصلنا لشطوط الأمان/ وتصلي بينا العيد

عبد الرحمن الأبنودي
عبد الرحمن الأبنودي

«أنت بعت يا صلاح»

انسحب عبد الصبور من لسانه، والكلام لايزال للدكتور جابر عصفور، فقال:«صحيح شعب يستاهل ما يجري له مادام يسكت على سارقيه ومادام لصوصه مطمئنين إلى أنه لايمكن أن يقرر»، فرد الرسام بهجت عثمان على عبد الصبور وقال: ـ«كيف يقرر الشعب إصلاحًا ومثقفوه خانوه وباعوه؟».

ارتبك عبد الصبور، وشعر أنه المقصود بكلام عثمان، لكنه سأل في محاولة للتماسك أمام أسرته وبناته: «ماذا تقصد بالمثقفين الذين باعوه؟».. فباغته عثمان بالرد الذي أودى بحياته: «أقصد أمثالك ياصلاح.. أنت بعت يا صلاح ».

انتظر الجمع ردا من عبد الصبور يُعنف فيه عثمان ويأخذ ولو بعض حقه منه، لكنه لم ينطق، وبدأ العرق يغزو وجهه والضيق الشديد يظهر عليه، حتى طلب أن يدخل ليرتاح على الأريكة، وآلمه أن أحدا لم يرد عنه، وفي الداخل بدأت الحياة تنسحب منه، ويعلوه الشحوب، فأسرعوا به إلى أحد مستشفيات مصر الجديدة، وهناك قال الطبيب: «سأتصل بأستاذي إذ أتوقع أمرا ..خيب الله ظني»، وحدث ما توقعه الطبيب، أصيب عبد الصبور بأزمة قلبية حادة أودت بحياته، واتهمت زوجته فيما بعد أصدقائه بقتله.

ويؤكد نفس الرواية الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي ويقول في تصريحات صحفية له: إن هجوم بهجت عثمان على الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور في إحدى المناسبات العائلية أدى إلى إصابة عبد الصبور بأزمة أودت بحياته.

ويؤكد حجازي أن العبارة القاسية التي وجهها عثمان لم يتحملها قلب عبد الصبور، «طلبت بعدها من عثمان المغادرة، فما لبث أن اعتذر بشدة لعبد الصبور الذي أصيب بأزمة حادة توفي على إثرها في الليلة نفسها».

المراجع:

كتاب «قطوف من الذاكرة التاريخية»- السفير صلاح شعراوي

«تكوين صلاح عبد الصبور» – مقال بمجلة الدوحة الثقافية لوزير الثقافة الأسبق جابر عصفور

تصريحات للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي بجريدة رأي اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock