رؤى

التيار السلفي في مصر.. شكوك عديدة وحقائق منتقصة وواقع مرتبك! (1-2)

عقب الحراك الشعبي الواسع في يناير 2011، أعلن التيار السلفي عن حضوره القوي سياسيا بالتواجد الكثيف في الفعاليات الجماهيرية التي صاحبت هذا الحراك؛ ثم بتكوين الأحزاب السياسية، والمشاركة في الاستحقاقات البرلمانية، وإعلان الدعم والتأييد لمرشحين رئاسيين في الاستحقاقات الرئاسية الثلاثة التي أعقبت أحداث يناير، التي أنهت ثلاثين سنة من حكم الرئيس مبارك الذي تمر اليوم ثلاث سنوات على رحيله.

واليوم وبعد مرور اثني عشرة سنة على تلك الأحداث التي كشفت كثيرا من الحقائق حول التيار السلفي، ومواقفه ومنطلقاته الفكرية؛ خاصة بعد التحول الهائل في مهد الفكر السلفي، فيما يشبه الانقلاب الكامل على تلك المنظومة الفكرية التي يسميها البعض الوهّابية، وتأثير ذلك على الواقع السلفي في مصر، وظهور مراجعات وتراجعات وشهادات – جاءت على استحياء- من بعض مشايخ السلفية؛ للدرجة التي حدت بالبعض أن يعترف بأنه أفتى كثيرا فيما لا علم له به أو دراية.. في حين وصف آخر نفسه بأن ليس أكثر من داعٍ إلى الله، أصاب وأخطأ.. وكون أن الشباب قد وصلوا من خلال أفكار هذا وغيره إلى ممارسة العنف- فلا يجب اعتبار هذا نقيصة تلتصق بالتيار ومشائخه؛ إذ يرجع ذلك في معظمه إلى طيش هؤلاء واندفاعهم وحماسهم الزائد، وغيرتهم على الدين، واستعدادهم الفطري للدفاع عن بيضته، والزود عن حياضه.. حسب ما ورد في إحدى المراجعات – ربما كان من المهم أن نبحث جادين في تاريخ وملابسات ظهور هذا التيار في مصر، كذلك الوقائع التي كان له فيها بعض الأثر، ثم مستقبل التيار ومصيره بعد ما أسلفنا ذكره من التغير الجذري في توجهات الدولة السعودية بخصوص دعم التيار داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها.

ليشهد الواقع السلفي في مصر اليوم حالة غير مسبوقة من التراجع والارتباك والالتباس؛ أنتجت  تفاوتا كبيرا وتباينا فجا بين أطياف الثوب السلفي، الذي اتسع جدا ليشمل كثيرا من الأضداد كما هو حادث بين المدخلية وفصائل التكفير المبطن التي ظلت متواجدة طوال الوقت؛ كأهم رافد لجماعات العنف.

وربما لا يُعَدُّ تجاوزا أن ننعت السلفية في طرحنا هذا بالمصرية، فلا شك أنها اكتسبت تلك الخصوصية بالتقادم والتفاعل مع واقع الحياة المصرية، مع الاعتراف بوجود نوع آخر من التسلف؛ بدا طوال الوقت مخالفا ومتنافرا تماما مع كل ما هو مصري.. يضاد الواقع ويصدم المجتمع بكثير من الرؤى والآراء تعميقا لممايزة استعلائية لا تبدو مجدية، خاصة في مجتمع يموج بمتغيرات متلاحقة تستعصي على المواءمة، ولكنها تبقى متجاورة لتشكل وجه مجتمع مأزوم قاربت ملامحه الأصيلة أن تتلاشى بالكلية تحت وطأة المشكلات المتفاقمة والأزمات المتلاحقة.. وربما يعتبر البعض ذلك الضياع سمة رئيسة في المراحل الانتقالية بعد الهبّات الشعبية الكبرى.. بين محاولات خشنة للإبقاء على ماضٍ آن له أن ينقضي؛ وحاضر ما زال يراوح؛ مساوما الغيب عن تفاصيل مستقبل غائم وقلق.

مظاهرات للسلفيين في مصر
مظاهرات للسلفيين في التحرير

يعرّف الدكتور محمود أمين العالم، السلفية فيقول بأنها نزعة دينية تتخذ من العودة للأصول، ومن الاستئناس بتراث الماضي، معيارا أساسيا لتقييم الحاضر، ومواجهة وصياغة المستقبل.. كما يستعير تعريفا لشيخ المغرب علال الفاسي داعية السلفية التجديدية الذي يرى أنها تمرّد على الحاضر، واستنجاد بالماضي، واكتساب طاقة حرارية تذيب جمود المجتمع؛ لتدفعه للسير قدما نحو مستقبله.

وبالقطع فإن هناك من التعريفات للسلفية ما يجل على الحصر، ويرجع ذلك إلى  تداخل العقائدي بالسياسي والمعرفي بالعملي؛ ما أحدث التباسا كبيرا لا يخفى على أحد.. كما أن هناك اختلافا حول النشأة التي يرجعها بعض أتباع السلفية إلى الفتح الإسلامي لمصرعام22هـ وقدوم عدد كبير من أصحاب الرسول، إلى مصر وبقائهم بها، وهم أهم الفئات الثلاث التي حُددت لتشكل السلف الصالح الذي يُعَدُّ فهمهم للكتاب والسنة ملزما للسلفيين، ويلي تلك الفئة التابعون وتابعو التابعين، وهذا الرأي يتسق وقول القائل بأن السلفية هي العودة إلى المنابع الصافية للإسلام، وتخليصه مما علق به من شوائب وأدران.. لكننا يجب أن نسأل عن الأثر الذي تركه هذا القدوم، وخصوصا أن البلاد ما لبثت أن وقعت تحت نير جور الولاة الذي كان من مآلاته، أحداث الفتنة الكبرى التي أسهم المصريون فيها بنصيب لا ينكر!

ينقلنا رأي آخر للعام 1818، حين استطاع إبراهيم باشا الفاتح القضاء على الدولة السعودية الأولى، وهدم وتخريب عاصمتها الدرعية، واقتياد عدد كبير من الأسرى إلى مصر من أبناء وأحفاد آل سعود، وآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومنهم الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ الذي أفرج عنه عباس حلمي، قبل وفاة محمد علي. وقد روي أن عبد الرحمن كان يحضر الدروس في الأزهر الشريف، ويجلس إلى علمائه يسألهم ويناظرهم، مع ما يبديه لهم من الإجلال والتوقير الواجب.. ويعتبر البعض عبد الرحمن آل الشيخ أول من وضع بذرة السلفية الوهابية في مصر، لكن هذا القول لا يخلو من مبالغة؛ إذ لم يترك الرجل آثارا دالة ولا تلاميذ ولا مريدين ولا مؤلفات، فعلى أي أساس يمكن قبول أنه من وضع بذرة السلفية الوهابية التي قامت دعوتها الأصلية على أساس “تطهير المجتمع من البدع والعادات والتقاليد المخالفة للشريعة كزيارة المقابر والإيمان بالأولياء والسحر والتنجيم والتعاويذ والتصوف الشعبي وتقديس الموتى”.. وهي بذلك لا يمكن اعتبارها مذهبا يشبه المذاهب الإسلامية الأربعة، وإن كان من الواضح ارتباطها الشديد بالمذهب الحنبلي إلا أنها تتزعم الدعوة إلى “تجاوز كل المذاهب الإسلامية التي سبقتها والعودة إلى الاجتهاد اعتمادا على الكتاب والسنة فقط”.

إبراهيم باشا
إبراهيم باشا

وللشيخ محمد رشيد رضا دور هام في دعم التوجه السلفي في مصر، وكانت له صلات قوية بالوهابيين بالجزيرة العربية، وقد استغل الشيخ مجلته “المنار” ومدرسته “الدعوة والإرشاد” في نشر الفكر السلفي، وقد كان الشيخ – كما هو معلوم- أحد تلاميذ الإمام محمد عبده، وأستاذه السيد جمال الدين الأفغاني، وكان الشيخ والأستاذ ينحوان منحى عقلانيا، جعلهما يرفضان كل البدع والخرافات وما صحبهما من طقوس وممارسات، وبالطبع فإن هذا الرفض العقلاني، كان قريبا –على نحو ما- من التوجه السلفي الذي ناصب كل تلك “المُحدثات” العداء؛ لذلك لا نجانب كثيرا حد الصواب إذا قلنا أن التأسيس للسلفية المصرية لم يكن بعيدا أبدا عن تأثير الأفغاني ومحمد عبده.. ولا يقدح في ذلك أن رشيد رضا نحا بها بعد ذلك منحى وهابيا، واتصل تلاميذه بالدولة السعودية التي كانت في محاولة تأسيس جديدة، مثل الشيخ حامد الفقي مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية، الذي سافر إلى الحجاز وأسس مجلة الإصلاح الحجازية.

وتوالت صلات شيوخ الجماعة بالمملكة العربية، فانتدب الشيخ عبد الرزاق عفيفي (الرئيس الثاني للجماعة) للتدريس هناك بطلب من الملك عبد العزيز، وأنشأ الشيخ عفيفي كليتي الشريعة واللغة العربية، وأدار المعهد العالي للقضاء، وصار عضوا بهيئة كبار العلماء، كما درّس الشيخ عبد الرحمن الوكيل الرئيس الثالث للجماعة مادة العقيدة بقسم الدراسات العليا بكلية الشريعة بمكة المكرمة، أما الشيخ محمد عبد الظاهر أبو السمح، أحد مؤسسي الجماعة، فقد أجاب طلب الملك عبد العزيز ليكون إماما وخطيبا ومدرسا بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، ومن ثم مؤسسا لمدرسة دار الحديث ومتوليا لإدارتها.

محمد رشيد رضا
محمد رشيد رضا

قبل ذلك كان الشيخ محمود محمد خطاب السبكي أحد كبار علماء الأزهر قد أسس الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة عام 1912، ما يُعدّه البعض التأسيس الفعلي للسلفية المصرية في العصر الحديث، وللشيخ إسهام علمي لا ينكر، كما كان رحمه الله محاربا للبدع والخرافات، وناشرا لتعاليم الدين الحنيف بطريقة مبسطة ومحببة؛ فصار له أتباع ومريدون، كما كان لأعماله الخيرية دور هام في انتشار دعوته، وقوة تأثيرها في نفوس المصريين.. ترك الشيخ مؤلفات قيمة منها “الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق” في ثمانية مجلدات، وكتاب “المنهل العذب المورود في شرح سنن أبى داود” في عشرة مجلدات و”فتاوى أئمة المسلمين بقطع ألسنة المبتدعين” وقد اتخذ الشيخ مسجدا بحي الخيامية بالدرب الأحمر بالقاهرة ليكون مقرا له، وكان بلقي به الدروس، كما عرف عنه انخراطه في أعمال المقاومة ضد المحتل البريطاني الغاصب.

الشيخ محمود محمد خطاب السبكي
الشيخ محمود محمد خطاب السبكي

لقد تعرضت السلفية المصرية لمؤثرات عديدة بفعل تنازع شديد بين خصوصيتها، ومحاولات صبغها بغير ما يصلح لها من أشكال البداوة وتجلياتها، ما جعلها في وضع أشبه بالمنبت الذي “لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى” برغم أن استقلالها وتفردها كان هو الأجدى والأنفع لها وللأمة كلها.. حسب ما يرى البعض، وإن كان ذلك يخالف حقيقة واضحة، وهي أن التيار السلفي ظل غريبا وناتئا عن الجسد المصري، دون أدنى محاولة للتواؤم؛ لذلك فقد تعددت مواقفه التي اتجهت  نحو الصدام اجتماعيا ودينيا على نحو يمكن رصده وتحليله فيما بعد.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock