رؤى

هل قتل سليمان الحلبي.. الجنرال كليبر حقا؟!

من أهم أحداث الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801) التي درسناها في مناهج التاريخ في مدارسنا المصرية- مقتل القائد العام للحملة الفرنسية الجنرال كليبر على يد الشاب السوري (طالب العلم) سليمان الحلبي، مغرب شمس يوم السبت الرابع عشر من يونيو 1800، وهو أمر تعاملنا معه بوصفه صفحة من صفحات الفخار؛ نظرا للتضحية الجليلة التي قدمها الحلبي ورفاقه انتصارا للعروبة والإسلام، بالرغم من أن هناك كثير من الشكوك أحاطت بملابسات تلك الحادثة الشهيرة، ناهيك عن ما شاب إجراءات المحاكمة -التي وصفت في المصادر المنصفة بـ “الصورية”- من عسف وإجبار للمتهمين على الاعتراف تحت وطأة التعذيب، وكون الوثائق الفرنسية هي المصدر الوحيد للمعلومات في تلك القضية- اعتمدت رواية المحتل التي حفلت بأمور لا يمكن تصديقها منها أن ضباطا عثمانيين حرّضوا الحلبي على قتل كليبر، مع تضارب واضح في الرواية لمشهد الاغتيال والقبض على الفاعل، وادعاء أن جارية أبصرت الحلبي من شرفة في بيت سيدها وهو مختبئ في حديقة قصر الألفي بالأزبكية والذي اتخذه الفرنسيون مقرا للقيادة العامة،  وكانوا قد أخلوا البيوت من حوله وهدموها وجعلوا محيطه فضاءً يصعب اجتيازه في وجود الحرس، ناهيك عن دخول حديقة القصر والاختباء بها تربصا بالقائد العام.

وتضاربت تقارير شهود العيان والضباط المرافقين حول طريقة الطعن، وما إذا كان هناك مهاجمون آخرون رافقوا الحلبي شاركوا في عملية الاغتيال واستطاعوا الفرار، أم أنه كان بمفرده.

وتظل الشكوك قائمة جزئيا بسبب احتفاظ فرنسا بجمجمة “الحلبي” في متحفها (متحف الإنسان بباريس)، حيث لا تزال هناك مطالبات شعبية بإعادتها، ويرى البعض أن الفحص العلمي الحديث (DNA) للرفات قد يقدم حقائق جديدة.

هناك تعمية واضحة على نقطة جوهرية في قضية مقتل الجنرال كليبر، وهي تعاظم الخلاف بين فريقين من قادة الحملة حول جدوى البقاء في مصر، فبينما كان كليبر ومعه ﻫِﻜْﺘُﺮ ودَﻣَﺎس وﻻﻧﻮس ورﻳﻨﻴﻪ من جنرالات الحملة يرون أن مغامرة بونابرت انتهت بالفعل، وأن على الفرنسيين مغادرة الأراضي المصرية بأسرع وقت ممكن، وكان كليبر قد تحرّك في هذا الاتجاه ووقع معاهدة العريش في 24 يناير 1800، مع الدولة العثمانية (بقيادة الصدر الأعظم يوسف باشا)، بحضور ممثل بريطاني. ونصّت المعاهدة على جلاء الفرنسيين عن مصر بكامل أسلحتهم ومعداتهم على نفقة الدولة العثمانية.

الفريق الآخر تكون من مجموعة الجنرالات على رأسهم الجنوال مينو، ومعه لجرانج وسرتلون وفريان.. وكانوا يريدون البقاء في مصر؛ ونزح ثرواتها. وكان الخلاف بين الفريقين قد بلغ مداه.. ومن غير المستبعد أن يكون قرارا بالتخلص من كليبر قد اتخذ بوصفه حلا أخيرا يلجأ إليه فريق الجنرال مينو. ما يدعم هذا الرأي، تلك الترتيبات التي جرى تنفيذها سريعا بعد الواقعة، وظروف المحاكمة نفسها التي بدأت بعد يومين فقط من مقتل الجنرال.

لم يكن من الصعب أبدا التخلص من كليبر بطرق أبسط من ذلك، لكن قتله على هذا النحو حقق عدة مكاسب للفريق الاستعماري، فقد مثلت المحاكمة والأحكام القاسية بالإعدام على المتهمين وحرق جثامينهم، وحرق اليد اليمنى لسليمان -حتى العظم حيا- ثم إعدامه على الخازوق – صورة من أبشع صور الإرهاب للشعب المصري الذي ثار مرتين -في القاهرة- على الاحتلال، واستمرت مقاومته للمحتل في طول البلاد وعرضها طوال فترة بقائه في البلاد. كما كان مقتل كلبير -بهذه الصورة- شافيا لغليل المصريين بعد ما ارتكبه من جرائم بحقهم عقب ثورة القاهرة الثانية، كما منحتهم الحادثة بطلا شعبيا يروون عنه القصص، ويتغنون بشجاعته,, وهو أمر ليس محل شك باعتراف الفرنسيين أنفسهم، إذ شهدوا أن الحلبي جالد الموت لأربع ساعات متحملا آلاما لا تحتمل دون أن يتأوه.

واليوم تمر الذكرى رقم 226 لمقتل الجنرال، وما زالت الشكوك تحوم حول الحادثة وملابساتها والروايات المرتبكة حولها.. وما يزال الأمل قائما في معرفة الحقيقة التي ربما تخبئها جمجمة سليمان الحلبي القابعة بمتحف الإنسان -حيث لا يُكرم الإنسان- بالعاصمة الفرنسية باريس.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى