رياضة

مونديال قطر وجدل المثلية.. صراع القيم قبل الرياضة

على عكس ما هو شائع عن رياضة كرة القدم، من أنها فن محبوب ولغة يفهمها غالبية شعوب العالم، إلا أنها تحوّلت مؤخرا في بطولة كأس العالم لكرة القدم في قطر، إلى حالة من السخرية والتنابز بالشعارات والعبارات التهكمية المختلفة بين عدد كبير من المشجعين من بلدان العالم المختلفة، وكانت “المِثْلِيَّة” كالشرارة التي أثارت تلك الحالة، وشتتت جُلَّ أنظار المتابعين لهذا الحدث الرياضي الأهم عن المتعة المنتظرة والمتابعة الشيقة له، نحو هذه الجدالات التي لا تزال مستمرة حتى اللحظة.

فكيف حدث ذلك التحوّل؛ من التقاء الثقافات البشرية المختلفة تحت راية الرياضة بطابع سلمي، إلى تصعيد خطابات الكراهية، بين تلك الثقافات وتعزيز روح العنصرية التي يناضل العالم من أجل وَأْدِها وإخماد نيرانها؟ لسنا هنا بصدد طرح علمي متخصص عن ” المِثْلِيَّة” أو بصدد تأويلات وتنظيرات دينية وأخلاقية، إنما نحاول فقط استكشاف ومعرفة أسباب ذلك التوظيف الغربي الدائم للمِثْلِيَّة في كل المحافل والأنشطة الجماهيرية المتنوعة، داخل البلدان الغربية أو خارجها، ومحاولة فهم ما حدث من صدام ثقافي وفكري في مونديال قطر في سياق تحليلي مجرد قدر الإمكان.

مظاهر الرفض والجدل

مشجعون ومسئولون غربيون يمتعضون، من منعهم من الدخول بشارات دعم وتأييد المِثْلِيَّة (ألوان الطيف) إلى الملاعب المستضيفة لمباريات كأس العالم في قطر، وآخرون يخفون تلك الشارات داخل ملابسهم كالممنوعات لتجاوز إجراءات التفتيش الأمني عند بوابات الدخول، وأحد المشجعين يقتحم مباراة البرتغال وأورجواي رافعا شارة المِثْلِيَّة؛ وذلك قبل أن ينقض عليه أفراد الأمن ويخرجونه عنوة خارج أرضية الملعب.

قيام لاعبي المنتخب الألماني بتكميم أفواههم بأيديهم قبل بدء مباراتهم أمام نظيرهم الياباني؛ تعبيرا عن احتجاجهم لمنعهم من ارتداء شارات دعم المِثْلِيَّة في المباراة، في مشهدٍ أثار سخرية شديدة تجاههم من قبل عدد كبير من المشجعين والمتابعين للبطولة، خاصة من العرب.. فكما شاهدنا فقد جاءت جميع تلك المحاولات من أفرادٍ ذوي هوية ثقافية غربية، في بلدٍ شرقي ذِي هوية عربية وإسلامية، وهنا كانت نقطة البداية في الصدام والتحول الذي نتناوله في هذا الحدث الرياضي الكبير.

بشكلٍ واضح، سنجد أنه في السنوات الأخيرة يُكثّف عددٌ لا بأس به من جمعيات حقوق الإنسان العالمية، وعدد من الدول الغربية، من حملاتها لدعم ومساندة مجتمع المثليين، كما تُكثّف من دعواتها للحد من الكراهية الموجّهة ضدهم؛ حتى وإن كانت تلك الحملات والدعوات تتعارض وتتصادم مع هويات وثقافات أخرى، ترى في المِثْلِيَّة انحرافا أخلاقيا واجتماعيا يستوجب العقاب القانوني والمجتمعي. وتلك المحاولات الغربية رسخت بشكل غير مباشر ما يشبه “المغالبة” القيمية والثقافية التي أوجدت نوعا من المعاندة للآخر، بالإصرار على فرض ثقافة مُعيّنة عليه؛ حتى وإن كانت تلك الثقافة لا تجد أرضا خصبة لنموها أو لرعايتها.

عن المصطلح وتأثيره

شكّل مصطلح المِثْلِيَّة في حد ذاته فجوة بين الثقافة الشرقية والغربية، فلا يستخدم العوام من الشرقيين مصطلح المِثْلِيَّة إلا في أطر ضيقة جدا – إعلامية أو أكاديمية مثلا – نظرا لاعتباره محاولة غربية للتخفيف من وطأة الحقيقة التي تدعو لها المِثْلِيَّة، والتي يرونها تَعَدّيًا على القيم والأعراف الأخلاقية والدينية والاجتماعية، ومخالفة للفطرة البشرية السليمة.. وعوضا عن ذلك يستخدمون مصطلح “الشذوذ الجنسي” وهو الأبرز في التداول، إضافة لعدد من المصطلحات العربية الأخرى التي تعبر عن هذه الحالة البيولوجية غير التقليدية. لكن، في الغرب جاءت صياغة هذا المصطلح كنتيجة طبيعية لحالة التطور والتحديث التي تبعت فترة ما بعد الحداثة، والتي عززت من حرية تناول السياقات الفكرية والأيدلوجية المختلفة، خاصة الجدلية منها، وركزت على أهمية الفرد وحرية اختياره للوسائل المناسبة له في إعادة تجديد وتطوير تراثه العلمي، والثقافي، والفكري بالشكل الذي يلائم عصره ويتوافق مع قناعاته وتوجهاته.

وبالنظر لنشأة المصطلح لغويا سنجد أنه أقدم نسبيا مما يتصور البعض، حيث ظهر بشكل أولي في العصر الفيكتوري في المملكة المتحدة، طبقا لما ذكره الفيلسوف الفرنسي الشهير ميشيل فوكو (1926 – 1984) في كتابه “تاريخ المِثْلِيَّة” حيث أشار إلى أن أول تعارف للعالم على مصطلح “مِثْلِي الجنس” Homosexual وقع أواخر القرن التاسع عشر، عندما أرادت الملكة فيكتوريا حمل رجال الطبقة الارستقراطية في المجتمع البريطاني آنذاك على التوقف عن ممارسة الجنس مع الذكور[1].

ففي هذا الوقت، لم يكن العالم قد اصطلح على تعريف هذا النوع من العلاقات بعد. ونظرا لأن الأمر أزعج الملكة فيكتوريا؛ فقد كلفت الأطباء بدراسة تلك الظاهرة لإيجاد علاج لها، فاخترعوا لفظا معاكسا لمصطلح “مغاير الجنس” Heterosexual – وهو النمط الطبيعي للعلاقة الحيوية بين الذكر والأنثى – وهو “مثلي الجنس” Homosexual.

كما تحدثت العديد من الأطروحات عن مراحل تطور المصطلح وجذوره، ومنها ما رأى أن مصطلح “المِثْلِيَّة ” لم يظهر في أوروبا إلا في سنة 1870، في مقالة للطبيب النفسي الألماني كارل ويستفال (1833 – 1890) التي بها رصد التوجه الجنسي المِثْلِيّ لأول مرة بهذا اللفظ؛ أي “مِثْلِيّ”، ولاحقا في سنة 1886، قدم الطبيب النفسي الألماني ريتشارد فون كرافت إيبينغ (1840 – 1902) الفرضية بأن المِثْلِيَّة هي رغبة جنسية ثابتة تتحدد مسبقا، وهي ربط آخر لم يكن معهودا من قبل. هذا التوجه الذي تُوِّج على يد عالم النفس الأبرز سيجموند فرويد (1856 – 1939) في سنة 1905، عندما حاول تفسير الميول الجنسي المِثْلِيّ بعوامل بيئية تطورية[2].

مما سبق طرحه من مراحل تطورية للمِثْلِيَّة كمصطلح يدفعنا إلى اعتبار أن الجهود الدءوبة من بعض المناصرين الغربيين لنشر قيم المِثْلِيَّة، وليس مجرد الدفاع عن حقوق المنتسبين إليه – مثلما يحدث في مونديال قطر وغيره من المحافل الجماهيرية الكبرى – ترى أن لديها استحقاقا علمي وتاريخي بتولي مسئولية نشر تلك القيم والدفاع عنها، وذلك بهدف تغيير الصور النمطية لدى الأفراد والجماعات المناهضة لها، ونقلها من سياق الفعل غير الفطري المستهجن، إلى منطقة الحق في تقرير المصير، والتعبير عن الرأي والميول الجنسية بحرية تامة، دون التعرض لحملات وخطابات كراهية ترفضها قيم الحداثة الجديدة.

نتيجة لحالة الاستهجان التي أبداها المؤيدون والداعمون لمجتمع المِثْلِيَّين والمِثْلِيَّة من استنكار لدعواتهم والتحريض عليهم بين مشجعي بطولة كأس العالم لكرة القدم في قطر؛ أرجع بعضهم السبب في ذلك إلى تردي الحياة الثقافية والفكرية في العالم العربي، والتمسك بعادات وتقاليد رجعية، لم تعينهم على تقبل الآخر وتقبل حرية الرأي والتعبير عنها. لكن، الملفت للنظر أن ما حدث من جدل بشأن المِثْلِيَّة في مونديال قطر لم يحدث للمرة الأولى في حدث رياضي، بل سبقه حالات مماثلة وبعضها في أوساط أوروبية، كالذي حدث في الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم عام 2019، عندما بدأت حملة “Rainbow Laces” لدعم المِثْلِيَّين في شهر ديسمبر من العام ذاته، ونتج عنه ما لم يكن متوقعا، حيث غمرت التعليقات المسيئة والرافضة لهذه الحملة مواقع التواصل الاجتماعي في بريطانيا، وعبر الآلاف من رواد تلك المواقع عن استنكارهم لهذا النوع من الحملات المخالفة للطبيعة البشرية التقليدية[3]، بالرغم من كون بريطانيا بلد أوروبي مسيحي وليس شرقي مسلم. لن يكون مونديال قطر الحدث الأخير الذي يثار فيه جدل المِثْلِيَّة؛ بل سيتبعه أحداث كبرى مماثلة تشهد نفس حالة الجدل طالما يصر بعض الغربيين من النخب الفكرية والساسة على فرض قناعات وأيديولوجيات بعينها على غيرهم من الشعوب المغايرة لهم تقاليديا وثقافيا، خاصة وأن تلك الشعوب ترى أن هناك قسط كبير من الأولويات الحياتية والحقوقية لم تنالها بعد وهي أولى بذلك الاهتمام والدعم.

  —————

[1]أنظر مقال إسراء مقيدم، عندما كانت المثلية واجبا اجتماعيا:

https://manshoor.com/society/when-homosexuality-was-a-social-duty/

[2] أنظر مقال جهاد قعدان، ولادة المثلية.. متى ربط الجنس بالهوية:

https://www.arab48.com/%D9%81%D8%B3%D8%AD%D8%A9/%D9%88%D8%B1%D9%82/%D8%A2%D8%AE%D8%B1/2022/09/25/%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D9%89-%D8%B1%D8%A8%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B3-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9

[3] Dominic Rech, Hundreds of thousands across social media react angrily to Premier League LGBT campaign, CNN:

https://edition.cnn.com/2019/12/19/sport/lgbt-premier-league-social-intl-spt/index.html

محمد عبد الكريم

باحث في الإعلام والاجتماع السياسي.. ماجستير في الإعلام وعلوم الاتصال - تخصص صحافة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock