رؤى

دوافع ألمانيا في الدخول على خط الأزمة السودانية.. مخاوف أم أطماع؟

خلال رحلتها إلى منطقة شرق أفريقيا منذ أيام، أكدت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، في بيان لها، بأنه يتوجب “جلب الجنرالين البرهان وحميدتي إلى طاولة المفاوضات، حتى لا يجرا السودانيين عميقا إلى الهاوية”. وأشارت بيربوك إلى أنه “يتعين علينا زيادة الضغط على الجانبين من خلال العقوبات، ومحاسبتهما على انتهاكاتهما بحق السكان المدنيين”.

وكما يبدو.. ففي إطار الاهتمام الألماني بالسودان، ومنطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، الذي تعكسه الرؤية الاستراتيجية المُعلنة من برلين قبل عامين، يأتي الدعم الألماني لخارطة الطريق التي تبنتها قمة إيغاد الاستثنائية في أوغندا، والتي أعطت مهلة لكل من البرهان وحميدتي للجلوس إلى طاولة المفاوضات، لأجل حل الصراع العسكري في السودان.

ضمن أهم العوامل الدافعة لمحاولة ألمانيا في الدخول على خط الأزمة السودانية.. تبدو العوامل التالية:

أولا: محاولة التحكم في ملف الهجرة غير الشرعية وتداعياته؛ إذ نظرا لارتباط الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا، بالأمن الأوروبي بشكل عام؛ لذا تأتي الخشية الألمانية من أن يُفرز الصراع العسكري في السودان، مثلما ساهم في الدول المجاورة، موجات جديدة من اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا، المُثقلة في الأصل بالمهاجرين العراقيين والسوريين.

هذا فضلا عن التخوف الألماني من انتقال الصراع السوداني إلى دول أخرى، ما يعني زيادة مخاطر الهجرة غير الشرعية، وتداعياتها السلبية على أوروبا، وعلى ألمانيا. ومن ثم، يقع هذا الملف، وإبقاء معدلات الهجرة عند الحدود الدنيا لها، في بؤرة التركيز الألماني على ضرورة حل الصراع السوداني.

ومما له دلالة على الاهتمام الألماني بهذا الملف، هو قيادة ألمانيا لـ”عملية الخرطوم”، المشتركة بين الاتحاد الأوروبي ودول القرن الأفريقي لمكافحة أسباب وتبعات الهجرة غير الشرعية وغير القانونية، والتي كانت قد بدأت في عهد نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير.

وبالتالي، يأتي التركيز الألماني على محاولة حل أزمة السودان بكل الوسائل الممكنة والمتاحة، سواء بشكل مباشر أو مع الدول المجاورة جغرافيا للسودان، خاصة تلك التي تمتلك نوعا من النفوذ بالنسبة إلى الأطراف المتصارعة، مثل كينيا وجنوب السودان.

ثانيا: الحفاظ على استمرارية المشروعات الأوروبية في السودان؛ حيث تبدو محاولة التركيز على الاستقرار في السودان، والدخول على خط الصراع العسكري في البلاد، جزءًا من الحفاظ على المشروعات الأوروبية في الداخل السوداني. إذ، يمتلك الاتحاد الأوروبي 85 مشروعًا وبرنامجًا جاريًا في السودان، ممولة من ميزانية الاتحاد الأوروبي، والصندوق الائتماني للاتحاد الأوروبي (EUTF)، وصندوق التنمية الأوروبي (EDF)، الذي يُمثل الأداة الرئيسية لمساعدة الاتحاد الأوروبي من أجل التعاون الإنمائي في أفريقيا، بقيمة تقرب من 480 مليون يورو.

واللافت -من المنظور الأوروبي والألماني تحديدًا- أن الحرب في السودان يُمكن أن تُساهم في فتح جبهة جديدة ضد أوروبا  والغرب لصالح روسيا، عبر إمكانية التحكم الروسي في ملف الهجرة غير الشرعية؛ هذا فضلا عن التخوف من بناء روسيا قاعدة بحرية في بورتسودان، أو على الأقل الحصول على تسهيلات سودانية بهذا الخصوص، من حيث إن المحاولة الروسية هذه تأتي في أهم الممرات البحرية، في نقل شحنات الطاقة إلى أوروبا.

ثالثا: ضمان عدم تمدد الصراع السوداني إلى المحيط الإقليمي؛ حيث تأتي الخشية الألمانية، والأوروبية عموما، في إطار الحرب الروسية الأوكرانية، من انتقال عدوى الصراع العسكري في السودان، إلى دول الجوار الجغرافي للسودان، ومحيطه الإقليمي، خاصة دولتي إثيوبيا وإريتريا؛ بما يمكن أن ينتج عنه حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في منطقة شرق أفريقيا، وبما سوف يُمثل تهديدًا لأوروبا، وفي القلب منها ألمانيا؛ خاصة في حال محاولة استغلال منظمات العنف والحركات الإرهابية، هذه الفوضى، لتهديد الدول الأوروبية.

أضف إلى ذلك أن الاهتمام الألماني لا يتوقف فقط على كل من إثيوبيا وإريتريا، ولكن أيضا بالشراكة التجارية مع كينيا؛ من منظور أن التربة والمناخ في كينيا يوفران في الرؤية الألمانية، “ظروفًا ممتازة” لإنتاج الهيدروجين الأخضر، حيث تأمل ألمانيا في استيراد ذلك الهيدروجين، والمساهمة في إنتاجه مثلما يحدث الآن في ناميبيا والمغرب.

رابعا: الاهتمام الأوروبي والألماني بالسودان ومنطقة شرق أفريقيا؛ فمنذ إعلانها عن استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا، قبل عامين، في ديسمبر عام 2022، كثّفت برلين نشاطها في القارة الأفريقية غربًا وجنوبًا؛ إضافة إلى التحرك تجاه الشرق الأفريقي. وعبر هذه الاستراتيجية الألمانية، أعلنت برلين أنها تعتزم التركيز على الاستثمارات في مجالات الطاقة المتجددة، علاوة على مصادر الطاقة التقليدية.

ويبدو الاهتمام الألماني، بمنطقة شرق أفريقيا، عبر زيارات المسئولين الألمان إلى المنطقة طوال الأشهر الماضية. ويأتي في هذا الإطار زيارة المستشار الألماني أولاف شولتز، في الثالث من مايو 2023، إلى منطقة القرن الأفريقي، والتي ضمت إثيوبيا وكينيا؛ وصولا إلى زيارة وزيرة الخارجية بيربوك إلى المنطقة.

وبالتالي، يأتي الاهتمام الألماني بمحاولة حلحلة الصراع في السودان؛ نتيجة أهمية موارد السودان، الذي يمثل الكنز المدفون للدول الأوروبية والغربية، فهو يعني 1.4 مليون طن من اليورانيوم، و6.8 مليار برميل نفط، و85 مليار متر مكعب من الغاز؛ هذا بالإضافة إلى “الذهب” وغيره من موارد السودان.

في هذا السياق، يُمكن القول بأن غياب الدور الأوروبي النشط والمباشر، في محاولة حل الأزمة السودانية، ووقوف الاتحاد الأوروبي في موقف المتفرج، وترك الأمر برمته إلى التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، فضلا عن الصين، هو ما يدفع ألمانيا إلى محاولة الدخول على خط هذه الأزمة، من منظور “التخوف الأمني”.

إذ، تأتي الأزمة السودانية في المنظور الألماني، لتحمل تداعيات سلبية على أوروبا؛ خاصة تلك المتعلقة بتزايد احتمالات الهجرة واللجوء من السودان إلى أوروبا، بما يمكن أن يُزيد الأمور تعقيدًا،  خاصة في ظل احتمال اتساع نطاق الصراع السوداني إلى المحيط الإقليمي في شرق أفريقيا، إلى جانب احتمال ظهور جماعات مسلحة تمارس العنف والإرهاب تستغل حالة الفوضى، لتهديد المصالح الأوروبية والألمانية في المنطقة.

وبالتالي في هذا الإطار، يأتي الدعم الألماني لخارطة طريق منظمة “إيغاد”؛ ففي ظل الجهود الرامية لوقف الحرب المستمرة في السودان، بين الجيش والدعم السريع، ومع اقتراب انتهاء مدة “14” يومًا، التي حددتها قمة إيغاد الاستثنائية في أوغندا، في 18 يناير الجاري، لقادة الأطراف المتصارعة لوقف الحرب في السودان؛ أعلنت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، عقب لقائها الرئيس الكينيي، الخميس 25 يناير الماضي، دعمها لخارطة الطريق التي تبنتها إيغاد.

ومن هنا، تبدو أهمية تصريحات بيربوك، وتأكيدها على أنه “من الواضح أنه يتعين علينا زيادة الضغط على الجانبين (البرهان وحميدتي)، من خلال العقوبات، ومحاسبتهما على انتهاكاتهما بحق السكان المدنيين، والتأثير على مؤيديهما في الخارج”.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock