رؤى

ما دلالات الانضمام العربي.. إلى مجموعة بريكس؟

حسب تأكيد رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، خلال قمة بريكس المنعقدة في جوهانسبرج، فقد عززت المجموعة صفوفها بتوسيع عضويتها، وانضمام ست دول جديدة إليها، من بينها ثلاث دول عربية هي: الإمارات والسعودية ومصر، اعتبارا من أول يناير 2024.

وهنا، تتداعى تساؤلات كثيرة حول دلالات انضمام الدول العربية إلى مجموعة بريكس؛ فضلا عن أسباب اهتمام كل من هذه الدول بالانضمام إلى المجموعة، ونوعية المكاسب التي يمكن أن تحققها هذه الدول، جراء خطوة من هذا النوع؟ أضف إلى ذلك، التساؤل الرئيس الذي يتعلق بالدوافع التي قبلت على أساسها بريكس عضوية هذه الدول الست من بين 23 دولة تقدمت بطلبات لأجل الانضمام إلى المجموعة.

مجموعة بريكس

تُعتبر مجموعة بريكس في الراهن تكتلا اقتصاديا، قابلا لأن يكون في المستقبل المنظور تجمعا سياسيا، يمكن أن يؤثر على صناعة القرارات المصيرية على المستوى العالمي. إذ إن محاولات تحدي الهيمنة الغربية عموما، وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص، على النظام المالي العالمي، هو الغاية الكبرى لنشاط هذه المجموعة؛ وذلك عبر إنشاء وسيلة بديلة لسداد قيمة المدفوعات التجارية، باستخدام عملة موحدة بديلة عن الدولار الأمريكي.

ويمكن القول بأن بريكس تُمثل “مجتمع المصير”، بالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة على الأقل؛ وهو قول يتأتى من أن المجموعة تُعبّر عن أكثر من 40% من سكان العالم، قبل انضمام الدول الست إليها؛ وتبعا للبيانات المنشورة من جانب معهد “أكورن ماكرو” البريطاني للاستشارات، في نهاية مارس 2023، فإن بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، تصل مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى ما يزيد عن 31.8 %، وبما يصل إلى حوالي 27.5 تريليون دولار.

أعضاء جدد

صحيح أن دول المجموعة لا تمتلك روابط تاريخية، ولا تقاربا أيديولوجيا، ناهيك عن وجود دولها في أماكن مختلفة في سلسلة الإنتاج العالمية؛ إلا أنه يبقى من الصحيح أيضا وبحسب ما قاله الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، فإن إضافة أعضاء جُدد إلى المجموعة سيزيد من قوتها، وإن هؤلاء الأعضاء الجدد “سيزيدون حصة بريكس في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، من حوالي 32% إلى 37%، على أساس تعادل القوة الشرائية”.

أما وزير الخارجية الروسي، فقد أشار في تصريحات له، خلال مؤتمر صحافي عُقد الخميس 24 أغسطس الجاري، في ختام قمة المجموعة، إلى أن “المعايير الأهم التي أخذت في الاعتبار، لدى مناقشة توسيع مجموعة بريكس، لقبول عضوية دولة من الدول المرشحة، كانت هيبتها ووزنها (السياسي)، وبطبيعة الحال مواقفها على الساحة الدولية”. وأضاف لافروف، بأن “الدول الست التي  أعلن عن أسمائها اليوم؛ تستوفي هذه المعايير بشكل كامل”.

وبالطبع، فإن انضمام دول جديدة إلى بريكس، وبالتحديد الدول العربية الثلاث، تُمثل محطة مهمة بالنسبة إلى المجموعة، ودورها في تحويل موازين القوى الاقتصادية على الساحة العالمية. إذ، بانضمام السعودية والإمارات وإيران إلى المجموعة، يُضاف البُعد الخاص بإمكانيات بريكس في النفط والغاز؛ فضلا عن امتلاكها بالأساس، القمح والمعادن النادرة التي تستخدم في الصناعات التكنولوجية.

أضف إلى ذلك، ما يمكن أن تُضيفه الدول العربية الثلاث، الإمارات والسعودية ومصر، من قوة إلى المجموعة من منظور أنها ضمن الدول المرشحة لتكون دولا رائدة في إنتاج وتصدير الطاقة النظيفة، خلال العقود المُقبلة، على غرار الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر، والتي من المتوقع أن تنافس الوقود الأحفوري.

دوافع عربية

بالطبع، فإن عددا من الأسباب التي تستند إليها الدول العربية، في محاولة الانضمام إلى مجموعة بريكس.. لعل أهمها التالية:

أولًا: التوافق مع محاولات تغيير النظام الدولي؛ إذ في ظل نظام عالمي آخذ في التحول بسرعة، من الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إلى نظام متعدد الأقطاب، عبر المحاولات الجارية من جانب روسيا والصين ودول أخرى، ترى الدول العربية، اليوم، أنها تستطيع أن تتحول إلى أكثر من مجرد دول مُصدّرة للنفط والغاز؛ في إطار المزايا الكبيرة التي يوفرها الالتحاق بمجموعة بريكس.

والملاحظ، أن طلب انضمام الدول العربية الثلاث إلى بريكس، يأتي كنوع من التوجه شرقًا، من منظور أن المجموعة تسعى إلى هدف واضح وعلني، وهو “إقامة نظام عالمي مختلف عن القائم حاليًا”؛ وهو ما يبدو بوضوح عبر مسعى الصين، التي تستحوذ على 70% من الناتج المحلي الإجمالي للمجموعة، في طرح استراتيجية اقتصادية جديدة، تُساهم في تحول مركز الثقل الاقتصادي إلى هذه الجهة من العالم.

ثانيًا: تنويع العلاقات الاقتصادية والسياسية دوليا؛ حيث إن جملة من الفوائد التي ستحققها الدول العربية، التي حصلت على قبول الانضمام إلى مجموعة بريكس، وهي فوائد تختلف من دولة إلى أخرى، ولكن معظمها ذات طابع اقتصادي. فمن جانب، تسعى الدول العربية، خاصة الخليجية، إلى تنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية، عبر البحث عن شراكات استثمارية جديدة، خاصة مع الصين. إضافة إلى السعي لبناء تعاون وتحالف وثيق مع روسيا في سوق الطاقة، من خلال التنسيق داخل مجموعة “أوبك +”.

ومن جانب آخر، يبدو السعي إلى تحقيق التوازن في العلاقات الاقتصادية؛ ولعل المثال الواضح هنا مصر؛ التي تسعى إلى تحقيق هدفين: الأول، الذهاب إلى المستقبل برؤية استراتيجية ضمن التعاون مع حليف جديد، يُمثل تكتلًا اقتصاديًا متنوعًا وقويًا؛ والثاني، اعتماد التحالف مع قوى تُشكل قطبية متعددة، وذلك من أجل تخفيف الضغوط الغربية اقتصاديا وماليا على الأقل.

ثالثا: إعادة التموضع في المجالات الخاصة بالطاقة؛ حيث يُمكن لمجموعة بريكس، بما تمتلكه من قدرات هائلة، التحكم في أسواق الطاقة على مستوى العالم، سواء من حيث الإنتاج أو حتى الاستهلاك؛ خاصة بعد انضمام الإمارات والسعودية، إضافة إلى إيران إليها؛ بل ويمنح دول المجموعة أيضا موقعا مهما في إعادة التموضع على مستوى أسواق الطاقة العالمية.

إذ إن انضمام السعودية والإمارات إلى بريكس، يكتسب أهمية بالغة، من حيث إن البلدين منتجان رئيسان للنفط، وسوف يستفيدان من تحسين العلاقات الاقتصادية مع المجموعة، وخصوصا الصين والهند اللذين يُعتبران مستهلكين رئيسين للنفط. هذا فضلا عن كون الصين هي ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم؛ وفي الوقت نفسه، بالنسبة إلى المجموعة، تُعتبر روسيا والإمارات والسعودية أكبر منتجي النفط، في حين أن أكبر منتجي الغاز الطبيعي يتمثل في روسيا وإيران.

وبحسب تحليل لمصرف “آي إن جي” الهولندي، في 20 أغسطس الماضي، فإن مجموعة بريكس سوف تستفيد من عضوية الدول المُصدرة للنفط والغاز، وهي السعودية والإمارات وإيران، لأن عضويتها تتوافق مع محاولات المجموعة في تعميق الحوار حول استخدام عملات أخرى غير الدولار، في تجارة النفط، كـ”اتجاه” لمحاصرة هيمنة الدولار على التجارة العالمية.

رغبة مزدوجة

في هذا السياق، ومع إعراب عديد من الدول رغبتها في الانضمام إلى مجموعة بريكس، يمكن القول بأنه من المتوقع أن تُصبح المجموعة لاعبا عالميا، ولاسيما في إطار تنوع إمكانات الدول التي تسعى في الانضمام إليها. هذا، وإن كان يأتي في إطار الاهتمام العربي بالانضمام إلى المجموعة، إلا أن الدول العربية، فيما يبدو، لا ترى تعارضا بين انخراطها المستقبلي في بريكس، وبين وجودها في تكتلات اقتصادية أخرى إقليمية أو عالمية.

رغم ذلك، يبدو بوضوح التركيز العربي على الاستفادة من الهدف العلني لمجموعة بريكس، أي إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب؛ خاصة بعد تطور الأحداث على المستوى العالمي وتحديدا في إطار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من انقسام على ساحة العلاقات الدولية. بل، وربما يكون هذا هو الأهم، في إطار ظهور رغبة مزدوجة، لدى بريكس من جهة، ولدى الدول العربية التي انضمت إليها من جهة أخرى، في الاستفادة المشتركة من هذا الانضمام، خاصة في المجالات الاقتصادية.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock